شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نصائح فى مواجهة الفتن

عصام حسنين • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلقد خلقنا الله -تعالى- في دار المحنة والاختبار للابتلاء، فقال الله -تعالى-: ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (الملك:2) ، وقال الله -تعالى-: ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) (الأنبياء:35) ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "يقول الله -تعالى-: نبتليكم بالشر والخير فتنة، بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال".

( فِتْنَةً ): أي لأجل الفتنة.

( وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ): فنجازيكم بأعمالكم.

- وبيَّن -عز وجل- أنه ابتلى العباد بعضهم ببعض لينظر ماذا يعملون؟ قال الله -تعالى-: ( وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ) (الفرقان:20) ، أي: اختبرنا بعضكم ببعض لنعلم من يطيع ممن يعصي.

فالرسول فتنة للمرسل إليهم، واختبار للمطيعين من العاصين، والرسل فتناهم بدعوة الخلق، والغني فتنة للفقير، والفقير فتنة للغني، وهكذا سائر أصناف الخلق في هذه الدار؛ دار الفتن والابتلاء والاختبار.

- والقصد من تلك الفتنة: ( أَتَصْبِرُونَ )، فتقومون بما هو وظيفتكم اللازمة الرائقة، فيثيبكم مولاكم أم لا تصبرون، فتستحقون المعاقبة، ( وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ) يعلم أحوالكم، ويصطفي من يعلمه يصلح لرسالته، ويختصه بتفضيله، ويعلم أعمالكم فيجازيكم عليها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر" اهـ بتصرف من تفسير السعدي .

( أَتَصْبِرُونَ ): استفهام للحث على الصبر والتحمل في ذات الله -تعالى-، والثبات على الأمر حتى يأتيكم الموت وأنتم على ذلك.

- وجعل الله -تعالى- التمكين والاستضعاف فتنة لينظر ماذا يعملون؟ كما قال الله -تعالى- عن موسى -عليه السلام-، وهو يُصبِّر قومه: ( اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) (الأعراف:128-129) .

وقال الله -تعالى- مذكرًا الصحابة -رضي الله عنهم- بنعمته عليهم: ( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (الأنفال:26) ، ولقد صبروا -رضوان الله عليهم- ومكَّن لهم، وجعلهم أئمة يُقتدى بهم، قال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ) (الحج:41) .

- وفي زمان تمكينهم فُتنوا بأنواع الفتن فصبروا -رضوان الله عليهم- بعكس بني إسرائيل الذين نجاهم الله -تعالى- من فرعون وملئه، وأقر الله أعينهم من عدوهم بأخذه أخذ عزيز مقتدر أمام أعينهم، لما جاوز بهم موسى -عليه السلام- البحر: ( فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) (الأعراف:138) .

- ولما واعدهم الله -تعالى- جانب الطور الأيمن ليتم عليهم نعمته الدينية بإنزال التوراة على موسى -عليه السلام-، وتعجل موسى شوقًا إلى لقاء ربه ليزداد عنه رضا، واستخلف هارون -عليه السلام- على قومه ليأتي بهم على أثره، ففتنهم الله -تعالى- بالعجل؛ فمنهم من وقع في الفتنة -عياذاً بالله -تعالى-.

قال الله -تعالى-: ( وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى . قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى . قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ) (طه:83-85) ، وقال الله -تعالى- عن هارون -عليه السلام-: ( وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ) (طه:90) ، فماذا قالوا؟ ( قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ) (طه:91) . نسأل الله العافية.

- ( لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ بَلاَءٌ وَفِتْنَةٌ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) ، هكذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى نلقى ربنا -عز وجل-، وأخبرنا -صلى الله عليه وسلم- أنه ستكون فتن تموج كموج البحر؛ إشارة إلى شدتها وتتابعها، ووصفها بقطع الليل المظلمة التي لا قمر فيها ولا نور، الساري فيها على شفا هلكة إلا من عصمه الله بنور البصيرة والعلم، واليقين، والبرهان! وأنها عمياء صماء، يعمى كثير من الناس فيها عن الحق، ويصم بعضهم بعضًا آذانهم عن سماع الحق وقبوله أيضًا -عياذاً بالله-، ومن شدتها أن كثيرًا من الناس يبيع دينه بعرض من الدنيا ولو كان تافهًا حقيرًا.

- وأخبرنا -صلى الله عليه وسلم- أن أهل ذلك الزمان تنزع عقولهم -عياذاً الله تعالى-، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ الْهَرْجَ ). قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: ( الْقَتْلُ ). قَالُوا: أَكْثَرُ مِمَّا نَقْتُلُ، إِنَّا لَنَقْتُلُ كُلَّ عَامٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا! قَالَ: ( إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمُ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا )، قَالُوا: وَمَعَنَا عُقُولُنَا يَوْمَئِذٍ؟! قَالَ: ( إِنَّهُ لَتُنْزَعُ عُقُولُ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيُخَلَّفُ لَهُ هَبَاءٌ -قليلو العقل، أراذل- مِنَ النَّاسِ، يَحْسِبُ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .

الصفحة التالية