شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نصائح فى مواجهة الفتن

عصام حسنين • التزكية

- ويبلغ الأمر بالمؤمن انه يتمنى الموت تخلصًا من البلاء كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ ) (متفق عليه) ، وفي رواية لمسلم: ( وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلا الْبَلاءُ ).

- وإذا كانت الفتن بهذه المثابة، فلابد للمؤمن من بصائر يستبصر بها طريقه في أزمنة الفتن التي لابد من وقوعها، كما قال الله -تعالى-: ( الم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) (العنكبوت:1-3) .

أولاً: فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد:

إن الدين المقبول عند الله هو دين الإسلام، وهو دين المحاسن، وشريعته شريعة المصلحة، وحيثما كانت شريعة الله كانت المصلحة، والعدل والخير.

قال ابن القيم -رحمه الله-: "إن الشريعة مبناها وأساسها: العدل، وتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها، ومصالح وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل" اهـ .

جاءت هذه الشريعة العظيمة -ولله الحمد-؛ لتحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتعليلها، فما من أمر إلا ومصلحته خالصة أو راجحة، وما من نهي إلا ومفسدته خالصة أو راجحة، وطريق معرفة ذلك الشرع؛ لا العقل، ولا الذوق، ولا العرف، ولا القانون، قال الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (النحل:90) ، وقال الله -تعالى-: ( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا . يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا ) (النساء:26-28) .

وقال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (الأعراف:157) .

ونهى الله عن الفساد في الأرض، فقال: ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) (محمد:22) ، وأخبر الله -تعالى- عن صنف من المنافقين يفسدون في الأرض، ويسعون في الأرض بالفساد الذي لا يحبه الله ( وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) (البقرة:205) .

ومن الفقه الذي يجب على كل مؤمن أن يفقهه في هذا الباب:

1- إذا كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة، ولا نبالي بفوات المصلحة؛ لقوله -تعالى-: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ) (البقرة:219) ، فحرمهما الله -تعالى-؛ لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد؛ فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له؛ فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرمًا كانت مفسدته أكثر من مصلحته" اهـ.

2- درء المفاسد مقدم على جلب المصالح إذا تساوتا، وإلا قدم الأعلى، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا عَائِشَةُ لَوْلا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ ) (رواه البخاري ومسلم) ، وفي رواية له أيضًا: ( وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ ) (رواه البخاري) .

قال ابن حجر -رحمه الله-: "فيه: اجتناب ولي الأمر ما تسرع الناس إلى إنكاره، وما يخُشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا، وتألف قلوبهم بما لا يترك فيه أمر واجب، وفيه تقديم الأهم فالأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بدئ بدفع المفسدة، وأن المفسدة إذا أمن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة.." اهـ من الفتح .

3- لا يُنه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، ولا يُنه عن منكر يستلزم وقوع منكر أعظم منه: فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنما شُرع لتحقيق ما يحب الله ورسوله، فإذا ترتب على ذلك ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الشارع؛ فإنه لا يسوغ إنكاره، وترك الإنكار في هذه الحالة لا يعني إقرار المنكر.

ومن تأمل ما جرى على الإسلام من الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه.

- وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يرى بمكة أكبر المنكرات، كالأصنام، ولا يستطيع تغييرها، ولما فتح مكة عزم على تغيير البيت، ورده على قواعد إبراهيم -عليه السلام-، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه؛ خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك؛ لقرب عهدهم بالإسلام، ولهذا لم يأذن بالإنكار على الأمراء باليد، لما يترتب عليه من المفاسد.

الصفحة السابقة الصفحة التالية