شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدولة بيْن الإسلام والمدنية الحديثة

الشيخ علاء بكر • مذاهب فكرية في الميزان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن مِن خصائص الشريعة الإسلامية: الشمول، فما من شيء في الحياة إلا وللشريعة حكم فيه، قال الله -تعالى-: ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ) (الأنعام:38) ، ومِن أحكامها ما يتعلق بشئون الدولة ونظام الحكم فيها، وهي مستمدة مِن نصوص يلزم تطبيقها وتنفيذها، أي إقامة نظام الدولة حسب المفاهيم التي جاءت بها هذه الشريعة، بل إن كثيرًا مِن الأحكام المتعلقة بالمجتمع كالعقوبات والحدود والجهاد، لا تكون إلا بسلطان ودولة تصوغ المجتمع وفق الصياغة المطلوبة، وتسهر على سلامته ومنع تخريبه أو إفساده، لذا؛ قال عثمان -رضي الله عنه-: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".

وقد سمى الفقهاء المسلمون الدولة الإسلامية باسم: "دار الإسلام"، وعرفوها بتعاريف تحمل نفس المعنى الذي تحمله كلمة "الدولة" في الاصطلاح القانوني الحديث، وأهداف الدولة الإسلامية هي أهداف الإسلام ذاته، فلا تقف أهدافها عند حد توفير الأمن والطمأنينة للأفراد ورد العدوان الخارجي عليهم، بل تمتد أهدافها إلى تنفيذ أحكام الإسلام في جميع شئون الدولة وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم أجمع، وترفع العوائق التي تحول دون ذلك، قال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ) (الحج:41) .

وعندما نتكلم عن الدولة في الإسلام، والدولة في المدنية الحديثة فإنما نتكلم عن نظامين مختلفين تمامًا، ونتكلم كذلك عن نظامين وُجدا في الواقع وطُبقا في الحياة العملية للشعوب، فليس الحديث هنا حديثًا نظريًّا لا حقيقة له في الواقع، ويخطئ مَن يظن أن الدعوة إلى العمل بنظام الدولة يستمد أحكامه ودعائمه مِن شريعة الإسلام أنها دعوة جديدة لتجربة أمر جديد، فالحقيقة أنها دعوة إلى العودة إلى نظام لحياة الشعوب سبق للبشرية أن عاشت في كنفه سنينًا طويلة بعدله وأمنه واستقراره بما لم تحظى بمثله في ظل النظم الوضعية الحديثة رغم جحود المخالفين مِن معتنقي المادية العلمانية، ومعادي الإسلام كدولة وشريعة.

وسوف ترى معي -أخي القارئ- في هذا العرض المختصر مدى الفارق بيْن عدل الإسلام وجور هذه النظم الوضعية، والتي يعتقد أصحابها أنها أرقى ما وصل إليه العقل البشري، ونحن هنا سنتعرض إلى الفوارق الأساسية بين النظامين لداعي الإيجاز، فنقول:

إن الدولة في المدنية الغربية الحديثة ترتكز على دعائم ثلاث، هي:

1- العلمانية أو اللادينية SACULARISM .

2- القومية أو الوطنية NATIONALISM .

3- الديمقراطية أو حكم الشعب DEMOCRACY .

بينما الدولة في إطار الشريعة الإسلامية فهي دولة:

1- دينية تستمد نظامها وأحكامها من الدين الإسلامي.

2- تؤمن بالعالمية بديلاً عن القومية المحدودة الضيقة.

3- تؤمن بأن الناس مستخلفين في الأرض في ظل السيادة الإلهية، فالحاكمية لله -تعالى- وحده، لا للشعب، ونزيد الأمر إيضاحًا فنقول:

الدولة الإسلامية ترفض العلمانية:

فالعلمانية عزل للدين عن الحياة وعدم التزام بعقيدة دينية وهدى سماوي يتبعه طاعة لله ووقوف عند حدود شرعه في شئون الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، فللبشر أن يعالجوا شئونهم المختلفة على أسس مادية بحتية وفق رغباتهم ووجهات نظرهم وميولهم، وهذه النظرة المادية للدولة في المدنية الحديثة الغربية إنما نشأت نتيجة رفض "أوروبا" لسيطرة "الكنيسة اللاهوتية"، واستبدادها في القرون الوسطى في "أوروبا"، والتي وصفت بأنها قرون الظلمة والتأخير، فكان لابد من إزالة سلطان "الكنيسة" التي تعادي العلم والعلماء؛ لإزالة العوائق من أمام العقول المتطلعة إلى التقدم والرقي؛ لذا حصرت "العلمانية" سلطان "الكنيسة" داخل جدرانها، وأطلقت العنان للإنسان؛ ليرسم أنظمة الحياة المختلفة وفق المعارف الإنسانية المكتسبة، ودون أدنى التفات إلى مدى مخالفة هذه الأنظمة للدين.

وإن كان للبعض أن يقول: إن لأوروبا عذرها في معاداة استبداد "الكنيسة" التي حرفت النصرانية وحولت حياة الناس في ظل سيطرتها إلى جحيم لا يُطاق، ولكن "الكنيسة" لم تكن وقتها -ولن تكون- ممثلة أبدًا للدين الحق، ولنظرة الدين الحق للعلم والعلماء، فكان على "أوروبا" عندئذ أن تتجه للإسلام بدلاً من أن توقع البشرية في أوحال المادية الملحدة التي تتبنى الرفض الدائم لكل ما يربطها بالدين، لقد كانت محصلة هذا التحرر من شريعة الله حياة علمانية مادية لا دينية ترفض العبودية لله -تعالى-، وتستهين بالدين في الحياة العامة وفي الحياة الشخصية، فالعلمانية ترى أنه لا حاجة إلى الله، ولا إلى هديه في شئون الحياة، فأي معنى من معاني العبودية يبقى للإله المعبود؟ ولماذا إذن نعبده ونحن لا نلتمس الهداية والخير منه؟!

لقد عطلت "العلمانية" خصائص الألوهية للرب -عز وجل-، وجرت الإنسانية إلى عواقب وخيمة إذ قطعت علاقة الإنسان بربه؛ لتوثق علاقته بالشيطان ينحدر به إلى الهاوية وعبادة الأهواء، أما في الإسلام فإن الله هو الخالق للبشر وشريعته هي الحق والعدل، وهي التي تحقق للبشرية سعادتها، والعمل بها واجب على المجتمع؛ ليصيغ حياته كلها بصيغتها المستمدة مِن "القرآن الكريم" وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال الله -تعالى-: ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ ) (الأنعام:162-163) .

الصفحة التالية