شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدولة بيْن الإسلام والمدنية الحديثة

الشيخ علاء بكر • مذاهب فكرية في الميزان

فبذلك تستقيم الحياة ويحظى البشر برضاء الله عليهم، وفضله في دنياهم وآخرتهم، فالإسلام نظام شامل لجميع شئون الحياة، وشموليته شمولية تامة لا تقبل الاستثناء ولا تقبل التخصيص ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) (البقرة:85) ، وأحكام الإسلام تتناول عقائد الأمة ومعاملاتها ومبادئها، وقيمها وأخلاقياتها، وقضائها وقوانينها، وأحوالها الاجتماعية والأسرية، ونظام الحكم فيها، وعلاقاتها بالدول الأخرى حال الحرب والسلم، وفي المعاهدات والصلح مِن خلال أحكام الإسلام الكثيرة الثابتة، ومِن خلال ما أمر الله به فيها أو نهى عنه، وما بيَّنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن تفاصيل تتعلق بهذه الأوامر والنواهي، وجحود هذه الأحكام المتعلقة بالفرد أو الأمة أو جحود بعضها يعد خروجًا عن الإسلام كله.

الدولة الإسلامية ترفض التعصب للقوميات:

الدولة المدنية الغربية تقوم على التعصب لمواطنيها، وتبني معاملاتها الداخلية مع مَن يعيش على أرضها ومعاملاتها الخارجية مع الدول التي تتعامل وفق هذه النظرة الضيقة المحدودة التي تتعصب لأبناء الوطن، وتجعل استعلاء الوطن وأبنائه على غيرهم غاية تبرر الوسائل لتحقيقها دون ارتباط بقيم أو مبادئ وإن كانت سماوية، ولقد ظهرت هذه "الحركة القومية" المتعصبة في "أوروبا" كرد فعل –أيضًا- لتسلط البابوات والقياصرة على شعوب "أوروبا" التي أجبرت على الخضوع لها كسلطة روحية وسلطة سياسية لقرون عديدة اتسمت بالاستبداد، فلم يكن هناك بد من رفض الخضوع لها بالدعوة إلى "القومية"، وجعل الولاء والبراء للوطن فقط لا لغيره لرفع رايته فوق رايات الأمم الأخرى.

ثم صارت تلك "الوطنية" غاية تبرر الوسائل، والويل كل الويل للشعوب المغلوبة من تسلط الشعوب المنتصرة، وتحولت الحياة البشرية إلى غابة تتصارع فيها الشعوب مِن أجل العلو في الأرض، والزعامة الدنيوية.

أما الدولة الإسلامية: فهي دولة فكرية تقوم على أساس العقيدة الإسلامية وأحكام الإسلام، ولذا فهي دولة عالمية وليست دولة إقليمية محدودة بحدود أرضية، ولا دولة عنصرية قومية محدودة بحدود القوم والجنس والعنصر، ولكنها قومية محدودة بحدود القوم والجنس والعنصر، ولكنها دولة فكرية تمتد إلى المدى الذي تصل إليه عقيدتها، فلا مكان فيها لامتيازات تقوم على أساس اللون أو الجنس أو الإقليم، وهذه مميزات تجعلها دولة عالمية ترفض القوميات وتضم مختلف الأجناس والأقوام؛ إذ بإمكان أي إنسان أن يعتنق الإسلام عقيدة هذه الدولة فيكون بذلك من رعاياها وحملة عقيدتها ونظامها.

أما مَن لا يعتنق عقيدة الإسلام في حدودها: فإنه -أيضًا- له أن يعيش ويقيم فيها في ظل نظماها القانوني، ويكون من رعاياها وحملة جنسيتها مع بقائه على عقيدته المخالفة للإسلام، لا يُكره على تركها مادام يدفع الجزية، ويخضع لأحكام الإسلام العام، فلا تصفية لغير المسلمين، ولا محاكم تفتيش، ولا قتل ولا سلب، ولا هتك أعراض، ولا نفي باسم "التطهير العرقي" كما يقع في النظم الوضعية للدول الغربية، ويعاني منه المسلمون كما في "البوسنة والهرسك"، و"الهند" و"كشمير"، و"فلسطين"، وغيرها..

فالدولة الإسلامية لا تعرف ما درجت عليه الدول المدنية الغربية في واقعها العملي مِن حرمان البعض مِن حقوق؛ لكونه أقل درجة باعتبار لونه أو جنسه أو عنصره، والدولة الإسلامية وإن كانت لا تُستخدم في المناصب القيادية الهامة إلا الأصلح لها من المسلمين دون غيرهم فلا غرابة في ذلك فهي دولة تقوم على دين الإسلام فلا تأتمن على مصالحها إلا من كان يعتنق مبادئ الإسلام ويعمل مِن أجلها، وهذا شرط يفتقده رعايا الدولة من غير المسلمين، لذا؛ فهم يحرمون من المناصب القيادية وإن كان لهم حق العمل في الأعمال الحكومية الأخرى التي لا تتصف بالخطورة والأهمية.

إن لغير المسلمين في الدولة الإسلامية عهد وذمة، لا يجوز للمسلمين نقضها إلا إذا نقضها أصحابها، ولهم حقوق جعلها الشرع لهم لحفظ نفوسهم وأعراضهم وأموالهم، وممارسة أوضاعهم الاجتماعية وشعائرهم الدينية في إطار حياتهم الشخصية، وهذه الحقوق ثابتة بالشرع ليس للحاكم أو للشعب أن ينتقص منها، ولا ترتبط مِن قريب أو بعيد بعلاقة الدولة المسلمة بالدول غير المسلمة حتى وإن جارت تلك الدول على مَن فيها مِن المسلمين أو بدأت بعدوان على دولة الإسلام، وهذا كله مِن عدل الإسلام ورحمته التي لا نجد مثله –أبدًا- في المدنية الغربية الحديثة.

الدولة الإسلامية ترفض الهوى والطغيان:

إن الديمقراطية تأليه لهوى الإنسان الفرد، تجعله تابعًا لأهوائه خاصة بعد أن أبعدته العلمانية عن الاستجابة لهداية السماء، ودفعته القومية والوطنية إلى الأنانية والاستعلاء والكبرياء واحتقار الآخرين، وهذا ما انحدرت إليه المدنية الحديثة، أما في الدولة الإسلامية فالسيادة لله وأحكامه، وللبشر خلافة في الأرض، ولكنها مقيدة بشرع الله، وهذه الخلافة تختار فيها الأمة خليفتها بإرادتها بواسطة العدول مِن العلماء والأمراء والقادة، مِن أهل الحل والعقد ذوي الصلاح والباع في خدمة الإسلام والمسلمين.

والخليفة فيها وكيل عن الأمة ينفذ فيهم شرع الله الثابت الذي لا يتغير ولا يتبدل، وبمقتضى قواعده وأحكامه الصالحة لكل زمان ومكان، فهي نيابة لا تبيح لحاكم أو برلمان أن يشرع تشريعًا قد ورد فيه نص أو إجماع في شرع الله ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) (الشورى:21) ، ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (المائدة:50) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية