شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدولة بيْن الإسلام والمدنية الحديثة

الشيخ علاء بكر • مذاهب فكرية في الميزان

فهي نيابة توجب على الجميع أن يقف عند حدود ما أنزله الله، أما ما لم يرد فيه النص الشرعي فللحاكم وأهل الحل والعقد أن يجتهدوا في الأخذ بما يحقق مصلحة الأمة في ظل الشورى، وفي إطار توجهات الشريعة الإسلامية بموافقة قواعدها، ولا يكون ذلك إلا من خلال أناس يخشون الله ويطيعونه ويسعون إلى مرضاته وتشهد لهم حياتهم العملية وأهليتهم العلمية للاجتهاد والقيادة فهذه هي الخلافة الإسلامية القائمة على الخضوع لله ورفض التحاكم إلى غيره، أنها خلافة ليست كثيوقراطية "أوروبا" التي حكم فيها البابوات حكمًا دينيًا باسم الرب، بل هي خلافة تتولى فيها الأمة -مِن خلال أهل الحل والعقد فيها- تعيين الإمام من خلال البيعة، ومعاونته ومراقبته للقيام بالواجب الشرعي الذي من أجله وُجدت الدولة الإسلامية؛ وهو إقامة الدين وسياسة الدنيا بالدين.

ولها الحق في عزله؛ إذا تبين خروجه عن هذا الواجب، ولا تملك الأمة مخالفة الشرع في تحليل أو تحريم، أو إباحة أو حظر، ففي الإسلام الأمر كله لله: ( بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا ) (الرعد:31) ، فما دام الله وحده هو الخالق، فهو وحده الآمر والحاكم ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (الأعراف:54) ، ( إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ ) (يوسف:40) .

فالناس جميعًا بما فيهم قيصر عبيد مربوبون لله، ليس لهم مِن الأمر شيء، إنما هم خاضعون لأمر الله وشرعه، ومِن ثمَّ جاءت شريعة الإسلام شاملة كل احتياجات حياة البشر أفرادًا ومجتمعين، عقيدة وعبادة وأخلاقًا ومعاملات، تنظم كافة العلاقات بين الناس، وهذه المعاني مفقودة –تمامًا- في النظم الوضعية التي ترفض العبودية لله؛ لتجعل الإنسان يعبد هواه: ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ) (الجاثية:23) .

فأين الإسلام مِن هذا الطغيان والهوى؟!

وبعد..

فهذه خطوط عريضة تبين الفروق الجوهرية بيْن الدولة في الإسلام، والدولة في المدنية الغربية الحديثة تندرج تحتها تفصيلات كثيرة لا يتسع المقام للخوض فيها، ولكن لعلنا بذلك قد ألقينا ضوءً على أهم ما تمتاز به الدولة في الإسلام مِن عدالة وإفشاء للحق، وعالمية تتمسك بالخير والفضيلة، وبتعامل صادق مع الواقع البشري في غير طغيان ولا تعدي ولا ظلم.

تنبيه:

جاء في المعجم الوجيز لمجمع اللغة العربية: "تـَمَدَّنَ: عاش عيشَة أهل المدن، وأخذ بأسباب الحضارة، تَمَدْيَنَ: تَمَدَّنَ. المدنية: الحضارة واتساع العمران" اهـ .

فالمدنية تعني: التمدن والتحضر، والدولة المدنية أي: الدولة الحضارية الحديثة على النمط الأوروبي الغربي؛ إذ أن الحضارة السائدة حاليًا هي الحضارة الغربية الحديثة.

أما استعمال كلمة: "الحكم العسكري" في مقابل: "الحكم المدني"، و"السلطة العسكرية" في مقابل: "السلطة المدنية"، للتفريق بين ما هو مِن الجيش وما هو ليس من الجيش، فهذا معنى عرفي لكلمة "المدنية"، و"المدني" تعارفنا عليه.

وليس هذا هو معنى الكلمة في اللغة كما بينا، وليس هذا المعنى العرفي هو المراد من مصطلح "المدنية" عند "السياسيين" و"القانونيين" و"العلمانيين"، لذا؛ وجب التنبيه بالتفريق بين المعنى اللغوي والمعنى العرفي، والمعنى القانوني الاصطلاحي لكلمة "المدنية".

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

أصل هذه المقالة مقالة نشرت في مجلة "صوت الدعوة" في عدد شوال 1413هـ

الصفحة السابقة