الدكتور "يحيى الجمل" سقى عليق الديكتاتورية وترك ورد الشريعة!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلأن تسمع بالدكتور "يحيى الجمل" خير مِن أن تراه.. هذا هو لسان حال الإسلاميين الذين شاهدوا الدكتور "يحيى الجمل" المُلقب: بــ"الفقيه الدستوري" مع الإعلامي "عمرو أديب".
الدكتور "يحيى الجمل" الذي نادت به كثير مِن الفصائل الإسلامية كأمين على المطالب العادلة لشعبنا -المتدين-، بل الواجبة بتفعيل "المادة الثانية مِن الدستور"، والخاصة بمرجعية الشريعة فاجأنا بأنه قدَّم اقتراحًا للجنة المسئولة عن تعديل الدستور التي شكلها الرئيس السابق؛ للالتفاف حول هذه المادة!
وهو ما يحتم على كل أحد إعادة النظر في قاعدة: "عدو عدوي صديقي"؛ فالرجل صرَّح بأنه درَّس لأبنائنا عبر سنوات طوال: أن مادة الشريعة الإسلامية وُضعت في الدستور مِن باب النفاق السياسي؛ وذلك لأن "السادات" أراد أن يعدِّل "المادة 77"، والتي كانت تنص على تقييد مدة رئاسة الجمهورية بمدتين كحد أقصى إلى فتحها لعدة مُدد.
وهذا بلا شك كان سيُواجَه بالرفض الشعبي متى عُرِض في الاستفتاء، ولذلك استعمل "السادات" ذكاءه السياسي، واستعان بفقهاء دستوريين لا مانع عندهم مِن خيانة الأمانة التي أعلنوها، وهي: أنهم يحاولون صياغة التوجهات العامة للأمة لا توجهاتهم ولا توجهات رئيسهم بالطبع!
ولكن الذي جرى مِن هذه اللجنة.. هو: المساومة الرخيصة للشعب المسلم على إرادته، فتم إدراج التعديل الخاص بتحسين وضع الشريعة في النظام الدستوري بجعلها هي المصدر الرئيسي للتشريع، وليست مجرد مصدر رئيسي مِن مصادره كما كان الحال في دستور 71، ووضع هذا التعديل مع تعديل مادة مدد الرئاسة.
وكأن لسان حال "السادات" ولجنته الدستورية يقول للشعب: "إن أردتم ورد الشريعة فاسقوا معه عليق الديكتاتورية".
وكان امتحانًا صعبًا، ومع ذلك قرر الشعب المصري المتدين أن يسقي "عليق الديكتاتورية" مِن أجل "ورد الشريعة". فما هي دلالة هذا الاختيار؟!
أما الشريعة: فهذا يدل على أن الشعب لم يقل لها نعم فحسب، بل قال: نعم مهما كان الثمن؛ مما يدل على أنها قضية كان ينبغي أن تكون فوق الدستور، وهي بالفعل كذلك وفق العقيدة الدينية الصحيحة التي تقول: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ ) (يوسف:40) .
وتقول: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) .
وأما إطلاق مدة الرئاسة فهي الحنظل الذي لم يمُرْ إلا بعسل الشريعة.
والعليق الذي أراده النظام؛ فأعطى الشعب ورد الشريعة.
إننا أمام حالة مِن حالات الانتهاز السياسي، والقهر الممنهج، والاستبداد الدستوري..
ومع هذا.. فقد كان للدكتور "يحيى الجمل" رأي آخر ظل يُدرِّسه لأبنائنا في الجامعة عبر سنوات طوال، وهو: "أن مادة الشريعة هي التي مرت مِن باب النفاق السياسي"!
مَن يُنافق مَن؟! ومَن صاحب الحق في نعم أم لا؟!
إنَّ وصف وضع هذه المادة بالـ"نفاق السياسي" يدل أن قائلها متشبع بالـ"نظام الديكتاتوري" أيُما تشبع! ويرى أن الحاكم هو مصدر السلطات، وهو منبع الدستور، وأنه إن وضع مادة توافق إرادة الأمة ليمرر ما يريده، فهذا نوع مِن النفاق السياسي!
ولو سلمنا بأن "السادات" يستحق هذا الوصف؛ لأنه وضع المادة رغم عدم اقتناعه بها "وإن كان هذا سيبقى مجرد فرض"؛ فما ذنب المادة ذاتها؟!
وإذا توقفنا عند لفظ النفاق ذاته، والمستعار مِن الاستخدام الشرعي له بمعنى إضمار الكفر وإظهار الإيمان.. هل مَن الممكن أن يُوصف الحق بأنه نفاق؛ لأن البعض يُظهر الإيمان بأنه نفاقًا؟! سبحانك هذا بهتان عظيم!
ثم إن الدكتور "يحيى الجمل" أراد أن يُخدِّرنا حتى يتم استئصال تلك "المادة اليتيمة" المُعبِّرة عن "هوية الأمة"؛ بأن هذه المادة قد فرغتها "المحكمة الدستورية العليا" مِن مضمونها عندما قصرتها على الأحكام القطعية الثبوت القطعية الدلالة!
ومراد الدكتور "يحيى الجمل" ألا نبكي عليها كثيرًا.. !
ونحن لا نملك أنفسنا عجبًا حينما نرى مادة دستورية وافق عليها الناس مع أنهم حملوا معها غيرها مما يرفضونه ثم يتم التحايل على هذه الإرادة الشعبية، ثم يأتي مَن يزعم أنه مناضل شعبي؛ تارة عن طريق الاشتراك في فعاليات المعارضة، أو أنه وكيل عن الأمة عن طريق اشتراكه في صياغة الدستور نائبًا عن الأمة، ليقول لهم: "تسامحوا مرة بعد مرة في إرادتكم التي تُزوَّر"! وليتها محض إرادة نابعة مِن تراكم خبرات شعب، ولكنها قبل هذا إرادة الله التي لو صدق الساسة لجعلوها ابتداءً وبلا موارة فوق كل النظم والقوانين والدساتير.
ومع هذا فنحن نقول له: إنَّ المادة مع كل محاولات تهميشها قد وقفت حَجَر عثرة أمام كل مَن سولت له نفسه سن قوانين غاية في التطرف: كإباحة الشذوذ، والإجهاض، والمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وكإلغاء عقوبة الإعدام حتى في القتل العمد، وغيرها مِن الكوارث.
وقد أصابت هذه الآراء "عمرو أديب" بالدهشة ليسأل مستغربًا: عن إذا ما كان الدكتور "يحيى الجمل" يرى إلغاء هذه المادة؟! فكان "العَجب العُجاب".. حيث تضمنت إجابته على الرغم من قِصَرها على ثلاث مفاجآت :
الأولى: أنه يريد أن يلتف التفافًا صريحًا حول إرادة الأمة، ويريد أن يزيد المادة تهميشًا بحذف "ال" التعريف منها، ولأننا في "ثقافة الدكتور" لسنا "فقهاء دستوريين"؛ لم يُبين لنا قيمة هذا التعديل، ولا لماذا اقترحه، طبعًا الدكتور الذي شرح لنا أثر الاكتفاء بقطعي الثبوت والدلالة في تهميش المادة ضنَّ علينا ببيان أن هناك تفسيرًا للمحكمة الدستورية العليا لهذه المادة بدون "ال" التعريف بأنها عديمة الأثر، ويا للعجب فات محاوريه "عمرو أديب" وصديقه أن يسألا هذا السؤال الهام!