شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدكتور "يحيى الجمل" سقى عليق الديكتاتورية وترك ورد الشريعة!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الثانية: أنه لن يكتفي بتهميشها، بل سيضيف إليها أن "جميع الشرائع السماوية لها كل تقدير واحترام"! رغم أن هذا القيد هو النفاق السياسي بعينه؛ لأن الشريعة الإسلامية تنص على ترك النصارى وغيرهم.. وما يدينون به في أحوالهم الشخصية طالما تحاكموا فيها إلى مَن يحكم بينهم بشريعتهم؛ فتثبيت مرجعية الشريعة الإسلامية يغني عن هذه "المغازلة المكشوفة"، والتي اكتشفها محاوره "عمرو أديب" فقال موضحًا: "مِن أجل طمأنة إخواننا الأقباط" فأقره الدكتور الجمل!

الثالثة: أن الدكتور اعترف على الهواء أنه -ونحن في هذا الظرف العصيب- اقترح على اللجنة التي كانت تعد التعديلات قبل تنحي "الرئيس السابق" هذه التعديلات.

ومِن هنا بادره الأستاذ "عمرو" محذرًا: "إن الناس لا تتصور المساس بهذه المادة.. !".

وهنا كانت مفاجأة المفاجآت.. أن الدكتور "يحيى الجمل" قال: "وهذا دوركم لا بد أن توجهوا الناس"!

وإذا كنا قد كظمنا غيظنا مع الدكتور "يحيى الجمل" في تدريسه هذا الرأي الشخصي المحض لطلابه قاهرًا إرادة الأغلبية التي صوتت على تعديلات 1980م، فإنه لا يمكن أبدًا أن يُغتفر هذا لمن هو في موقع المسئولية التنفيذية التي انضم إليها مؤخرًا، ولا لمن هو في موقع المسئولية التشريعية كما كان في لجنة تعديل الدستور التي نشكر الله بعد أن علمنا بهذه الكارثة أن عجل بنقضها.

فمِن الناحية الدينية: لا يجوز المساس مطلقًا بمبدأ: "تطبيق أحكام الإسلام".

ومِن الناحية القانونية: فإنَّ أعضاء السلطتين التنفيذية والتشريعية ينبغي أن يعبِروا عن إرادة الأمة، ويسعَوا إلى تطبيقها، وأما مَن يرى رأيًا يخالف رأي الأغلبية؛ فلا يمكن أن يستمر في فرض توجهه الشخصي مهما كان مقتنعًا به، ولا يسعه حينئذٍ أن يتصرف بعفوية لا تليق برجل دولة، فيُصدر توجهاته إلى إعلامي، وعلى الهواء بالتأثير على الرأي العام، أي أنه سوف يمضي ما يرى تزامنا مع التوعية التي سوف تقوم بها وزارت إعلامه -"أو ما ينوب عنها مِن الفضائيات الخاصة"-!

ولو أننا افترضنا جدلاً أنَّ الدكتور مقتنع تمامًا بما يرى مع اعترافه أنه يخالف رأي الأغلبية فكان ينبغي عليه أن يترك كل صور السلطة التنفيذية والتشريعية؛ لأنهما قائمتان على الوكالة عن الأمة لا الوصاية عليها، ويحاول أن يقنع الشعب بعيدًا عن السلطة حتى إذا اقتنعوا وأتوا به -أي في هذه السلطة- بناء على مشروعه الذي قدمه لهم؛ فحينئذٍ لن يَحتاج أن يُصدر تعليماته لإعلامي بتحويل أدمغة الناس في الاتجاه الذي يراه.

أليس مِن المخجل حقًا أن يكون تطبيق الإسلام لازمًا؛ لأنه خطاب سماوي جاء من عند الله سابق على تكوين الدولة والدستور، وأن يكون في ذات الوقت لازمًا على طريقة فقهاء الدولة العصرية؛ لكونه في بلادنا يمثل الإرادة العامة للأمة.. ورغم هذا كله يراوغ في تطبيقه مَن يراوغ؟!

ثم إنَّ الإعلامي "عمرو أديب" تطرق إلى السؤال عن الجزئية الخاصة بدين الدولة مِن هذه المادة، فأجاب الرجل على الفور بأنها مادة ديكورية؛ لأن الدولة كشخصية اعتبارية "لا دين لها".

وهذا التبرير نابع مِن فهم قاصر للدين وقصره على العبادات فقط، ومِن ثمَّ يحصل استشكال أن يكون للدولة دين؛ لأن الدولة لن تصلي أو تصوم، ولكن مَن تدبر قوله -تعالى-: ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الأنعام:162) ، أدرك إجابة السؤال.

بل إن مَن قرأ الوثيقة التي أبرمها النبي -صلى الله عليه وسلم- مع اليهود أول قدومه المدينة أدرك ماذا يعني دين الدولة؟

ثم إن الدكتور كالعادة افترض أننا طلبة عنده المحاضرة لا نسأل إلا إذا أذِن هو "مع أن هذا الأسلوب في التعليم هو أحد أسباب أزمتنا"!

ولكنه أراد أن يدلل على أن مصر مرت بدساتير لا تنص على دين الدولة، واستشهد بدستور 54 ودستور الوحدة مع سوريا، ولم يبين لنا مَن الذي وضع دستور 54، ولا ما هي النسبة التي حصل عليها في الاستفتاء العام، ولم يقيِّم لنا تجربة دستور 54، وهل حافظ على استقرار المجتمع أم تحول الأمر إلى فوضى تشريعية.. وكل هذا لسبب بسيط أنه لم يكن هناك دستور بالمعنى الصحيح للكلمة يسمى دستور 54، وأنه كان مشروعًا فاشلاً.

وأما دستور الوحدة مع سوريا: فيكفي اسمه لبيان أنه دستور لمبادئ الوحدة، وليس لمبادئ الدولة.

إذن فمصر لا تعرف إلا دستورين مستقرين: دستور 1923م، وهو يتضمن النص على أن دين الدولة الإسلام، وهي المادة التي حصلت على الإجماع في كل مراحل التصويت على هذا الدستور كما بيَّنه المستشار "طارق البشري" في مقاله الماتع عن المادة الثانية والدستور الثاني: دستور 1971 وهو الدستور الحالي، والذي طرأ عليه عدة تعديلات أبرزها تعديل 1980م، حيث نص دستور 1971 بالإضافة إلى دين الدولة على أن الشريعة "مصدر رئيسي" مِن مصادر التشريع، وهي المادة التي فسرتها "المحكمة الدستورية العليا" بما يفرغها تمامًا من معناها، فكان تعديل 1980 والذي أضاف "ال" التعريف إليها، وعرقلت "المحكمة الدستورية العليا" تطبيقه على ما مضى مِن قوانين، ولكنها بقي لها أثر كبير في منع التدهور التشريعي كما أسلفنا.

لقد حدثنا الدكتور يحيى الجمل عن وجود دساتير لم تتضمن النص على دين الدولة، وهي في الحقيقة مشاريع دساتير، وليست دساتير.

وحدثنا عن دساتير تضمنت النص على دين الدولة، وهي كل الدساتير التي عُمل بها في مصر، ولم يكلِّف خاطره أن يُبِّين لنا: هل كل مَن حرص على وضع هذه المادة كانوا باحثين عن تعديلات ديكورية؟!

بل إن بعض الأمور التي لا تكتب في الدستور لا تكتب مِن باب أنها في حس جميع السلطات معلم رئيسي مِن معالم الأمة، وهذا بلا شك لا يُناسِب أمة تتعرض في كثير مِن الأحيان إلى غزو فكري، أو ضغوط دولية لتمرير ثقافة الغير.

أيضًا لم يكلف الدكتور "يحيى الجمل" خاطره أن يعرج على دساتير غربية تنص على دين الدولة صراحة كإسرائيل التي تنص على يهودية الدولة، والفاتيكان التي تمثل دولة دينية صرفة دينها النصرانية الكاثوليكية وإنجلترا التي يمثل الملك فيها رأس الكنيسة البروتستانتية هناك.

الصفحة السابقة الصفحة التالية