شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

المنافقون ودورهم في محاربة أهل الإيمان

علاء الدين عبد الهادي • من نور الوحيين

طريقة أهل الكفر والعناد في معارضة الأنبياء وأتباعهم (6)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي كل زمان مِن أزمنة التاريخ تواجد هؤلاء القوم -أعني المنافقين- بصور مختلفة وأنماط متفاوتة، فرقتهم الأزمنة والأمكنة وجمعهم الداء نفسه؛ فتشابهوا في صفاتهم كلها التي حاصلها إبطان غير ما يُظهرون، فقلوبهم في واد مظلم ملأه الكفر والشك والفساد، وأبدانهم في واد آخر يتجملون بها أمام مَن بيده القوة والسلطة بمعناها الواسع -برًا كان أو فاجرًا-، باحثين بهذه الازدواجية عن مكسب ولو رخيص، وجائزة ولو قليلة؛ فباعوا دينهم واشتروا دنياهم، وكفروا بقلوبهم وزعموا الإيمان: ( قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (البقرة:93) .

الواحد منهم قد يكون منافقًا عليم اللسان، وقد يكون رويبضة؛ وهو الرجل التافه يتكلم في أمر العامة، وقد يكونون مِن جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، وقد يكونون رؤوسًا جهالاً يُسألون فيفتون بغير علم فيَضلوا ويُضلوا.

وليس مقصودنا حصر هذه الأوصاف، بل المقصود رصد بعض هذه الصفات والأفعال التي يقصدون بها التعمية على الحق والترويج للباطل، وكذا دورهم في مجابهة الأنبياء وأتباعهم.

فمن ذلك: عدم قبول حكم الله مع زعمهم الإيمان:

الانصياع لحكم الله يقتضي طهارة ونقاءً في القلب، وتسليمًا لحكمة الله، وانخلاعًا مِن حظوظ النفس وشهواتها، وهو ما لا يتوافر في قلوب قد اجتاحها النفاق، مِن أجل ذلك كله استثقل المنافقون هذا التسليم لله في حكمه، وجرؤوا مع ذلك على ادعاء الإيمان وزعم الطاعة!

وعجبا لهم.. ! ( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ . وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ) (النور:47-48) ، ولفساد قلوبهم لا يقيمون فيها لحكم الله وزنًا، ولئن فعلوا يومًا فلمصلحة يحصلونها أو غنيمة يحوزونها ( وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ . أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ) (النور:49-50) .

بخلاف أهل الإيمان المتصفين بالإيمان والفلاح: ( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ ) (النور:51-52) .

وهؤلاء المنافقون في المقابل يحترمون -أو هكذا يزعمون- الحكم الوضعي الذي اختاره له أولياؤهم ويحبونه، ويفضلونه على حكم الله مع أنهم أعلنوا الإيمان والتسليم ظاهرًا: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ) (النساء:60-61) !

يفعلون ذلك حيث لم تتحقق فيهم صفة الإيمان: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (النساء:65) ، ولو دخل اليقين قلوبهم لما احتكموا بحكم الجاهلية: ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (المائدة:50) .

ومِن ذلك أيضًا: المناداة بفصل الدين عن الحياة:

فهم بعد ما رفضوا التحاكم إلى شرع الله في نزاعاتهم أبوا كذلك تطبيق هذا الشرع الحكيم في حياتهم ومعايشهم، إذ احتوى الشرع الحكيم على قواعد وضوابط مِن أجل إقامة العدل والحق الصادرين عن الوحي الإلهي؛ مراعاة لمصلحتهم ومصلحة غيرهم، وحقوقهم وحقوق غيرهم، والأهم مِن هذا سياسة الدنيا بالدين، وإصلاح الخلق بدين الحق، إلا أن هذه المعادلة لم ترق القوم، ولم توافق قلوبهم المريضة التي أُشربت حب الدنيا.

وها هو شعيب -عليه السلام- "كمثال" يحاول إصلاح قومه -ويا له مِن مصلح مهدي-، ويقول لهم: ( يَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ . بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ) (هود:85-86) .

فما كان منهم إلا مناداته بفصل دينه وصلاته وعقيدته عن حياتهم وكسبهم ومعاشهم، و ( قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ) (هود:87) .

وكأنه ليس مِن الرشاد فعل ما يدعو إليه شعيب -عليه السلام- مِن إصلاح الدنيا بالدين، والعيش وفق الأوامر الإلهية، وكذبوا والله.. فلا تستقيم الحياة بغير نور مِن الله وابتغاء رضاه: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (الأعراف:96) ، ولكنهم عبيد الدنيا، وعبيد لمفرداتها مِن: درهم أو دينار، أو خميصة أو قطيفة، فتعسًا لهم.

ومِن سماتهم كذلك: النفور من ذكر الله:

الصفحة التالية