المنافقون ودورهم في محاربة أهل الإيمان
علاء الدين عبد الهادي • من نور الوحيين
ما أشد ضيق صدورهم بكل ما يذكرهم بالله واليوم الآخر، والحق والدعوة إليه، فتجدهم يبالغون في إبعاد هذا الصوت الذي يخاطب الضمائر ويعريهم أمام أنفسهم: ( أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) (هود:5) .
وهذا نوح -عليه السلام- يدعو قومه ولا يجد منهم إلا صدًا ونفورًا: ( وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ) (نوح:7) .
وهذا النفور إنما مصدره البغض الأعمى لما أنزل الله مِن آيات حتى إنهم يهمون بالتنكيل بتاليها؛ كراهة لما يقول: ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (الحج:72) .
لذلك فمن غير المستغرب منهم ردود أفعالهم المتشنجة، وشدة نفورهم مِن الذكر والتوحيد ودعوة الحق: ( وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) (الزمر:45) .
وأولئك لهم التعاسة والضيق في الدين: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) (محمد:8-9) .
ولهم كذلك العذاب الشديد وحبوط الأعمال في الآخرة: ( فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) (محمد:27-28) .
ومن ذلك: سوء الأدب مع الله ومع رسوله -صلى الله عليه وسلم-:
تعظيم الله وشعائره من تقوى القلوب التي لا يتحلى بها المنافقون، وبعد أن ساء أدبهم مع الله بردهم أحكامه والنفور من ذكره؛ ساء أدبهم مع الله -تعالى- نطقًا ينطقونه وجرأة يتقحمونها، فقديمًا بلغ الفجور بأساتذتهم في الشر من اليهود وقالوا في الله قولاً مهلكًا لأصحابه: ( لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) (آل عمران:181) ، ( وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً ) (المائدة:64)، وهكذا راح أفراخهم مِن المنافقين يقلدونهم في اجترائهم على الخالق -سبحانه-.
ولربما تكلموا في كلام الله -تعالى- بما لا يليق: ( وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ) (التوبة:124-125) .
ولربما تكلموا في حق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذلك بما لا يليق مع مقام النبوة: ( وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ) (التوبة:61) ، أي يسمع كل ما يقال له ويصدقه -استهزاءً وسخرية- فرد الله -تعالى- عن نبيه ودافع عنه: ( قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ) (التوبة:61) ، بل توعد مَن يؤذون خليله المصطفى -صلى الله عليه وسلم- بالعذاب والنكال: ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (التوبة:61) .
وقد يقع أحيانًا أن يسيئوا الأدب مع المؤمنين والصالحين محاولين القدح فيهم أو السخرية منهم: ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ) (التوبة:65) ، وهذا مما لا ينبغي فيه الهزل واللعب، وهم ما أساؤوا الأدب مع المؤمنين إلا بقصد القدح في دين الله، وهل حملهم على السخرية منهم إلا لأنهم يدلون على دين الله وقد حملوه بيْن أضلعهم؟ فهم في حقيقة الأمر أرادوا الاستهزاء بالله -تعالى- ففعلوا ذلك على هيئة السخرية من هؤلاء المؤمنين به -تعالى- ( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) (التوبة:65-66) .
ومن ذلك أيضًا: أنهم يعرف في كلامهم العداوة لله ولأوليائه:
فلما امتلأت قلوبهم حقدًا على المؤمنين، وأظلمت قلوبهم عداوة لهم؛ بدر منهم ما يبين عن مكنون صدورهم رغمًا عنهم، وزلقت ألسنتهم ببعض ما أضمروه: ( قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ) (آل عمران:118) ، وما أبدوه من حقد وغل وحسد يجاهدون في كتمه وإظهار خلافه، ولكن يأبى الله إلا أن يفضحهم بما تزل به ألسنتهم: ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ) (محمد:29) ، بلى يعرفهم كل ذي بصيرة من طريقتهم التي يتكلمون بها وأسلوبهم في سوق الحديث: ( وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ) (محمد:30) .