الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون
محمد القاضي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن الأحداث التي تموج بها البلاد تتوالى كالبحر الخضم تتلاحم أمواجه، وتتابع نوباته، والعبد لابد أن يستبصر بنور القرآن في ظل هذه الفتن المتلاطمة حتى يرى مواضع الأقدام، ويزن الخطوات التي يخطوها بكتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فإن كانت موافقة أقدم، وإن لم تكن كذلك أحجم.
ومِن هذه الآيات التي فيها الكثير مِن الدروس والعبر، والتي تعبر عن كثير من المعاني الواقعية هذه الآية المباركة التي بين أيدينا؛ فالظلم والطغيان هو مِن أهم أسباب فوات النعم وزوالها، والظلم المراد أولاً بالآية كما فسره النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الشرك، وهذا لا يعني أن أنواع الظلم الأخرى لا تدخل في الآية، بل هي داخلة في عمومها، وهذا ما فهمه الصحابة -رضوان الله عليهم- عندما نزلت هذه الآية، فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ : ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ) (الأنعام:82) ، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ: ( يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (متفق عليه).
فالشرك هو أعظم أسباب زوال الأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة، وهو أنواع، منه: ما يتعلق بالربوبية والأسماء والصفات، وهذا شرك في الاعتقاد، ومنه: ما يتعلق بالألوهية، وهذا يتعلق بصرف العبادة لغير الله.
ومِن أنواعه المنتشرة في البلاد الشرك في الحكم، قال -تعالى-: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ) (يوسف:40) ، فإن مِن معاني العبودية أن نلزم أنفسنا كأفراد وكمجتمع بما أنزله الله في كتابه مِن تشريعات وأحكام، والله -تعالى- يقول: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) .
فإلزام الناس في التشريع العام ينبغي أن يكون بما ألزمهم الله به في كتابه أو بما جاء به رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فهذا حق لله -تعالى- وحده لا يشاركه فيه غيره، فتضييع الشريعة وإلزام الناس بالتحاكم إلى القوانين الوضعية في: أموالهم، ودمائهم، وأعراضهم مِن أعظم أسباب الفتن التي تموج بها البلاد والعباد في هذه الأيام؛ ولذا وجب على كل من يأتي ليحكم البلاد والعباد أن يقوم بتفعيل "المادة الثانية مِن الدستور"، ومراجعة كافة التشريعات المخالفة للشريعة وصياغتها مِن جديد بصورة توافق الشريعة، حتى يُزيل التناقض الواقع في التشريعات والقوانين، كما يرفع الإثم عن أجهزة الدولة المختلفة في مخالفة شرع الله والحكم بغير ما أنزل الله، وهو أعظم سبب لحصول النقم والبلاء كما بينَّا.
وهناك أنواع أخرى من الشرك أيضًا ينبغي أن نتخلص منها: كشرك الرضا بالكفر؛ فإن المسلمين بالرغم من أنه لم يُعرف في التاريخ سماحةً مثل سماحتهم ولا عدل في عدلهم في تعاملهم مع الآخرين -كما هو حال المسلمين في التعامل مع أهل الكتاب، ومع غيرهم-فقد قال -تعالى-: ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) (المائدة:8) ، فبالرغم من عدلهم فإنهم لا يرضون بالكفر ولا يحبونه، ولا يرفعونه شعارًا لهم؛ فلا يقبل المسلمون شعار الهلال مع الصليب؛ لما يترتب عليه مِن تميٌّع لقضايا الإيمان والعقيدة، فإنه لا مساواة في دين الله بيْن مَن يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر، وبين مَن يُكذب بذلك، قال -تعالى-: ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (القلم:35-36) ، وقال -تعالى-: ( لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ) (الحشر:20) .
وقال -تعالى-: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ) (آل عمران:19) ، وقال -تعالى-: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران:85) ، إلى غير ذلك مِن الآيات التي توضح هذا المعنى وتؤكده..
فهذه أنواع من الظلم الأكبر الذي بسببه يضيع على البلاد والعباد حصول الأمن والهداية، ولكن هناك أنواع من الظلم أخرى تدخل في عموم قوله -تعالى-: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ).
فظلم العباد والتعدي على الدماء والأعراض والأموال من أهم ما نحن فيه الآن مِن الفتن، فالظلم ظلمات يوم القيامة، والظلم تُعجَّل عقوبته في الدنيا قبل الآخرة، فإن الله -تعالى- يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، قال -تعالى-: ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) (هود:102) ، وهذه من الدروس المهمة التي أفرزتها الأزمة فإن الله يمهل ولا يهمل، فالذين أذاقوا البلاد والعباد الويلات أذاقهم الله مِن كأس الخزي في الدنيا من قبل أن يرجعوا إليه فيحاسبهم على ما قدموا حسابًا لا ينفعهم معه سلطانهم ولا أتباعهم ولا أموالهم ( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) (الشعراء:88-89) .