الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون
محمد القاضي • من نور الوحيين
وقد رأينا كيف يتساهل الظلمة في أمر الدماء والأعراض! حتى رأينا منهم مَن يدفع الأموال الطائلة للبلطجية من أجل القتل وسفك الدماء، وانتهاك الأعراض في صورة مِن صور الظلم والتعدي التي لم ير الناس مثلها، ولم تكن المظالم في الأعراض والدماء فقط؛ بل كان من أعظم المظالم أكل أموال المسلمين العامة التي يسمونها في الواقع المعاصر بأموال الدولة، فأكل أموال الدولة مِن الغلول الذي حرمه الله -تعالى- ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهو أعظم حرمة من أكل أموال الناس الخاصة، وقد استشرى ذلك وانتشر حتى صارت أموال المسلمين نهبة لكل فاجر وظالم، وكل ذلك يدخل في المظالم التي أدت إلى ما نشاهده اليوم من الانفجار الهائل الذي يشبه انفجار البركان، ومِن الثورة الهادرة التي كانت أولاً لشباب "الفيس بوك"، فشكرًا لهم..
ثم تطورت لتشمل كل شباب مصر، ثم تطورت لتشمل كل فئات الشعب، ولابد أن نشير هنا إلى أنه يدخل في ذلك ظلم العباد بعضهم لبعض، فكأن ثقافة الظلم كانت هي الثقافة السائدة في هذا العهد البائد -بإذن الله-، فقد كان الأمر يشبه كثيرًا حياة الغابة، فمن قدر على شيء مِن مال أخيه أخذه دون أن يلتفت إلى حله أو حرمته، وكأنه لن يحاسب، فكلنا ينبغي أن يراجع نفسه فمن كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله اليوم مِن قبل ألا يكون درهم ولا دينار إلا الحسنات والسيئات، فإنه كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ ) (متفق عليه) .
ومِن معاني الظلم التي تشملها الآية ظلم العبد نفسه بالمعصية، المعاصي التي انتشرت في البلاد في طولها وعرضها، وأصبحت لها أبواق وأماكن معدة ومرخصة لفعل ما يغضب الله بالليل والنهار، حتى ظهر فينا أنواع من الموتى يسيرون بين الأحياء، فالعبد ما زال يعصي الله حتى يموت قلبه، فالذنب على الذنب يعمى القلب؛ ولذا وجب علينا إن أردنا تغييرًا حقيقيًا أن نغيِّر حالنا مع الله، وأن نتوب إلى الله توبة جماعية حُكامًا ومحكومين، توبة صادقة استجابة لقوله -تعالى-: ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (النور:31) .
لذا كان مِن الدروس المهمة التي ينبغي أن نعيها جيدًا مِن الآية، ومِن واقع الأزمة أن نهتم بأمر ديننا قبل أن نهتم بأمر دنيانا، فتحقيق معاني الإسلام والإيمان والإحسان للفرد والمجتمع هي الطريق للتغير الحقيقي الذي يحبه الله -تعالى- ويرضاه، والذي قال -تعالى-: عنه: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (الرعد:11) ، فتحقيق العبودية لله -تعالى- بإقامة الفرائض والمتابعة بالنوافل هي الطريق إلى الولاية الحقيقة لله -تعالى-، كما قال -تعالى- في الحديث القدسي: ( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ.. ) (رواه البخاري) .
وقال -تعالى-: ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (يونس:62) ، فكل مسلم تقي هو لله ولي، فإذا تحققت هذه المعاني فينا تغيرت موازين القوى بحول الله وقوته؛ الذي كل الأمور بيده ومردها إليه، قال -تعالى-: ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ) (غافر:51) ، فالمُلك ملكه، والأمر أمره، ومرد الأمور إليه؛ فينبغي أن تتعلق القلوب به وأن تتوكل عليه، فإن من توكل على الله كفاه الله أمر الدنيا والآخرة، قال -تعالى-: ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) (الطلاق:3) ، يعني: كافيه، فالتوكل على الله في إقامة الدين وسياسة الدنيا به هو الهدف الأسمى لأي تغيير مأمول، وأي تغير حقيقي لا يمكن أن يقوم إلا على دعامة الإيمان والعمل الصالح.
( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) الأمن والأمان نعمة مِن الله، شعرنا جميعًا بقدرها وبأهميتها، وهي نعمة امتن الله بها علينا فقال -تعالى-: ( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) (قريش:3-4) ؛ ولذا وجب علينا أن نحفظ نعم الله بالشكر، كما قال -تعالى-: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ) (إبراهيم:7) ، فحفظ الأمن والاستقرار يكون باستعمال النعم في مرضاة الله، وليس بمحاربة الله بما وهبنا مِن نعم، وليس الأمن في الدنيا فقط هو المقصود بالذكر، بل الأمن في الآخرة أعظم وأهم، فالذي يؤمنه الله على الحقيقة هو مَن يؤمنه عندما تلحق الناس المخاوف.
والهداية التي في الآية في الدنيا لمن استبصر بالوحي وأخذ القرآن نبراسًا له؛ عندئذٍ يرى الأمور على حقيقتها ولا تختلط عليه الأحداث؛ فإن كثيرًا مِن الناس لا يفهم ولو جاءته كل آية حتى يرى العذاب الأليم، كما قال -تعالى-: ( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) (الحج:46) ، فكم يحتاج العبد إلى أن يستبصر بغيره، وأن يعتبر بغيره، فكما قالوا: "مَن لم يعتبر بغيره جعله الله عبرة لغيره"، و"السعيد من وعظ بغيره"، والهداية التي في الآخرة أهم وأعظم.
نسأل الله أن يجعلنا مِن أهلها، وأن يرفع عن بلادنا البلاء والفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.