شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ملامح رئيسية للدولة الإسلامية

الشيخ علاء بكر • مذاهب فكرية في الميزان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتنص "المادة الثانية من الدستور" على أن: "الإسلام دين الدولة"، ولا غرابة في ذلك؛ إذ يتعدى المسلمون في مصر نسبة 90% من السكان.

وتنص بقية "المادة الثانية" على أن: "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"، وهذا يتلاءم ـ تمامًا ـ مع كون "مصر" دولة إسلامية، شعبها مسلم.

والدولة الإسلامية هي: دولة تأخذ نظمها وتستمد قوانينها مِن الشريعة الإسلامية في مجالات الحياة المختلفة؛ إذ الإسلام دين ودولة، عقيدة وشريعة، له أحكامه العامة والتفصيلية التي يجب العمل بها في الدولة الإسلامية.

والدولة الإسلامية ليست "دولة ثيوقراطية"، -أي: دينية- على النحو الذي عرفته وساد "أوروبا" في عصر ما قبل "النهضة الأوروبية" ؛ حيث كانوا يعتقدون "التفويض الإلهي" لرجال الكنيسة وللحكام مِن: الباباوات، والأباطرة، والقياصرة؛ ليتحكموا في مصائر الشعوب بدعوى "العصمة" و"القداسة"، أو "الإلهام" و"التأييد من الرب"!

فالإسلام لا يعطي الحق لأحد أن يستبد باسم الدين، أو يزعم أنه مفوض مِن الله في التحليل والتحريم، وأن له الانفراد بالحكم المطلق، بل هذا مِن الشرك بالله -والعياذ بالله- باتخاذ العباد أربابًا وطواغيت، قال الله -تعالى- في أهل الكتاب: ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ) (التوبة:31) .

ولما سمع عدي بن حاتم -رضي الله عنه- هذه الآية مِن النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان نصرانيًا فأسلم، قال: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ. فَقَالَ: ( أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ؛ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ؛ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟ ). فَقُلْتُ: بَلَى. قَالَ: ( فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ ) (رواه الترمذي والطبراني واللفظ له، وحسنه الألباني) .

ولكن الدولة الإسلامية دولة دينية وفق فهم الإسلام وأحكامه، يحكم الشعب فيها نفسه بنفسه وفق شرع الله -تعالى-، يهتدي بهديه، ويمتثل بتوجيهاته، ويلتزم بما يمليه عليه.

والدولة الإسلامية دستورها الكتاب والسنة - كتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم-، لا يخرج دستورها عنهما بسن قوانين تخالفهما، قال الله -تعالى-: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) .

وقال الله -تعالى-: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر:7) ، وقال الله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا ) (الأحزاب:36) ، وقال الله -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا ) (لنساء:60) .

وقال -تعالى-: ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (النساء:59) .

والرد إلى الله -تعالى- بالرجوع إلى كتابه الكريم، والرد إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالرجوع إلى سنته المطهرة، قال الله -تعالى-: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ) (يوسف:40) ، وقال -تعالى-: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (المائدة:44) ، وقال: ( وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ) (الكهف:26) ، ( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (النور:51) . والآيات في ذلك عديدة..

و"الدولة الإسلامية" ليست دولة "مدنية"؛ فـ"الدولة المدنية" دولة علمانية تفصل بين الدين - أي دين - والسياسة، ولا تلتزم بأحكام الدين - أي دين - وتشريعاته.

والدولة المدنية دولة ديمقراطية تعطي الشعب الحق أن يحكم نفسه بنفسه، بما يرى فيه مصلحته دون التقيد بشرع الله -تعالى-، وهذا ينافي الدولة الإسلامية الملتزمة بأحكام الدين وتشريعاته.

ولا يُناسب "الدولة الإسلامية" أن يقال: "هي دولة مدنية ذات "مرجعية إسلامية"، فهذا تناقض واضح! فكيف هي "مدنية" تستبعد الدين، ولها "مرجعية إسلامية" تأخذ بأحكام الدين؟!

إن تقييد "الدولة المدنية" بكونها ذات مرجعية إسلامية يعني: أن الدولة المدنية تتصف بكونها ليست دينية، وليست إسلامية، فقيدت بهذا القيد، وهذا يكفي في رفض هذا المصطلح ـمصطلح: "الدولة المدنية"ـ؛ لأنه يناقض الدولة الإسلامية.

فقولهم: "دولة دينية ذات مرجعية إسلامية" هو: محاولة للتوفيق بيْن متناقضين دون النظر في سبب هذا التناقض والتعارض.

والبعض يتمادى فيزعم أنه لا فرق بيْن "الدولة المدنية" و"الدولة الإسلامية"، من باب: أن السلطة في "الدولة الإسلامية" للشعب، فهو الذي يختار الإمام ويبايعه، والإمام ملزم بالشورى، وهو وكيل عن الأمة في إقامة الدين وسياسية الدنيا به، والأمة لها الحق في مراقبته ومحاسبته متمثلة في أهل الحل والعقد، فتقومه؛ إذا اعوج، وتعزله؛ إن ظهر منه الكفر البواح عندها مِن الله فيه برهان، وكل فرد في الدولة المسلمة له أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالضوابط الشرعية، وله رأيه الحر طالما لا يخالف الشرع، فالشعب يحكم نفسه بنفسه في إطار الشرع الإسلامي، فلا فرق بيْن "الدولة المدينة" –إذن- و"الدولة الإسلامية"!

الصفحة التالية