شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ملامح رئيسية للدولة الإسلامية

الشيخ علاء بكر • مذاهب فكرية في الميزان

وهذا الفهم هو قفز فوق الحواجز لا يجدي، فأصحاب "الدولة المدنية" يريدونها تنكر حق الله – تعالى - في التشريع وتعطيه للناس فيما بينهم، فهي عندهم دولة لا دينية صراحة، وذلك باسم "العلمانية"، و"المساواة"، و"المواطنة"، ومراعاة الأقليات.. الخ.

كما أن المسلمين لا يعرفون في فهمهم ومصطلحاتهم الإسلامية كلمة: "الدولة المدنية"، ولا يقرونه بهذا الفهم الغربي؛ فكيف يقال: "الدولة المدنية" هي هي "الدولة الإسلامية"؟!

ولماذا التمسك بمصطلح غربي، ومحاولة إدماجه عنوة في فهمنا للإسلام؛ حرصًا على أن تكون "اللافتة أو الواجهة" مقبولة عند غيرنا؟!

و"الدولة الإسلامية" ليست دولة مستبدة ديكتاتورية، تطلق لحكامها العنان أن يحكموا الناس بالهوى والشهوة، وتحقيق مصالحهم وأطماعهم الشخصية على حساب شعوبهم، فكما أنه لا سلطة مطلقة تحتكرها طبقة رجال الدين وعلمائه، فلا سلطة مطلقة لحاكم، أو حزب، أو فئة في "دولة الإسلام".

وما وقع في بعض فترات التاريخ مِن ممارسات غير مقبولة مِن حكام؛ فهي من نواتج البعد عن تطبيق الإسلام، وليست نتيجة التمسك به وتطبيقه، ولو راجعنا أقوال علماء الأمة عبر تاريخها حول هذه الممارسات؛ لوجدناهم قد حكموا عليها بمخالفة الشرع، وأنكروا على هؤلاء الحكام أفعالهم، والعبرة بسلامة المنهج، لا بالانحراف في تطبيقه -أحيانًا-.

فإن قيل: فكيف نمنع وقوع الحكام في هذا الاستبداد والظلم والانحراف؟

قلنا: بالنص في دستور الدولة صراحة على وجود الرقابة الشعبية على الحكام والمحاسبة لهم، متمثلة في "أهل الحل والعقد" الذين تختارهم الأمة بعناية للقيام بهذه المهمة، مع وضع الضمانات بتفعيل دورهم، وإمضاء ما يقررونه في حق الحاكم إن لم يمتثل لحق الأمة عليه.

فإن قيل: فماذا عن "المواطنة" والاعتراف بالآخر في "الدولة الإسلامية"؟

فالجواب: إن "الدولة الإسلامية" تقبل أن يكون على أرضها غير مسلمين يعيشون فيها، ووجود الملايين مِن غير المسلمين يقيمون في "مصر" عبر القرون الطويلة الماضية وحتى الآن دليل على ذلك، فكل من يقطن في "الدولة الإسلامية" فهو مواطن، يلتزم بنظام الدولة، له حقوق، وعليه واجبات، وغير المسلم في "الدولة الإسلامية" له حق العيش والتعلم، وحق السكن، والتملك، والتكسب، له حرية التنقل، والبقاء على دينه، لا يُكره على الإسلام، وله العمل بأحكام دينه في الأحوال الشخصية أو التحاكم فيها لشرع الإسلام -إن أراد-، ولا يُظلم في ماله وأحواله، معصوم الدم والعرض -ما لم يقترف جريمة يستحق بها العقاب-.

فإن قيل: فماذا عن الحريات وحقوق الإنسان، والعدالة، والمساواة في "الدولة الإسلامية"؟

فالجواب: إن هذه العبارات فضفاضة لا ضوابط لها، يستعملها "الغرب" والدول الكبرى كما هو معلوم؛ لتكون ستارًا يتدخلون مِن ورائه في شئون الدول الأخرى، ويوجهونها كيف شاءوا، والإسلام أحرص النظم على إعطاء الحريات، ومراعاة حقوق الإنسان، وإقرار العدالة، والتسامح، والمساواة وفق ضوابط الشرع.

إن الاختلافات بين المذاهب الفقهية مِن أوضح صور حرية الرأي في الدولة الإسلامية عبر القرون الطويلة، وهذه الاختلافات تتعلق بالدين، ولكن لا يكره أحد على قبول رأي فقهي لا يرضاه، بل من واجبات المجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإبداء النصح والإرشاد، فالدين النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، ولكن الحريات في الإسلام ليست مطلقة، ولكنها مقيدة بألا تخالف الشرع أو تضر بالآخرين.

إن الاختلاف في الرأي سنة الحياة، لا يمكن تجنبه، ولكن الضوابط الشرعية للاختلاف تمنع تفاقمه إلى حد يؤدي إلى انقسام الأمة إلى طوائف وأحزاب، وشيع يقاتِل بعضهم بعضًا، وفوق ذلك كله فللإسلام أخلاقياته التي تضمن مراعاة العدل، والتسامح، وكفالة الحريات.

إن الغرب بدوله المدنية لا يعرف أخلاق الإسلام وضوابطه، وهو يزعم الحريات والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان، لذا؛ نراه يعيث في الأرض فسادًا لينقض بأعماله أقواله.

لقد احتل الغرب بقيادة "أمريكا" "العراق" بدعوى وجود أسلحة دمار شامل، وتبين للجميع كذب هذا الادعاء، واعترف "الغرب" بذلك!

فهل أنهى المحتل احتلاله، وأبدى اعتذاره، وأصلح ما أفسده، وقد أباد مئات الآلاف، وحول "العراق" إلى خراب؟!

ولقد احتل "الغرب" بقيادة "أمريكا" "أفغانستان"، وأزال نظام "طالبان" بدعوى مساندته لأسامة بن لادن؛ فهل رفع "الغرب" يده عن الشعب الأفغاني؛ ليترك له حرية تقرير مصيره، أم واصل تسلطه عليه بتثبيت الاحتلال العسكري، وزرع العملاء، وفرض التبعية للغرب على "الأفغان"؟!

وما زال الشعب الفلسطيني الأعزل -بعد أن تخلى عن خيار المقاومة المسلحة؛ طلبًا لأوهام السلام مع "إسرائيل"- يرزخ تحت احتلال صهيوني، يقتل الفلسطينيين ليل نهار، يطرد السكن من ديارهم؛ ليقيم فيها مستوطنون يهود جاءوا بهم مِن أشتات الأرض.

وتُجرَّف أراضيهم الزراعية، وتُضيَّق عليهم سبل العيش بمنع الغذاء، والمعونات، والوقود، والدواء.. كل ذلك دون أن يلتفت أحد إلى الدفاع عنهم؛ مراعاة للعدل، والحرية، وحقوق الإنسان، والمساواة، وتحقيق السلام، بل وتمنع "أمريكا" بما يُسمى: "حق الفيتو" -أي: الاعتراض- صدور قرار شجب - مجرد شجب- لما تفعله "إسرائيل" بحق الفلسطينيين في ظل نظام عالمي يدعي الديمقراطية، والأخذ برأي الأغلبية، ثم يسمح لدولة واحدة -وهي "أمريكا"- أن تمنع صدور قرار شجب مِن مجلس الأمن وإن أيده غالبية -أو باقي- دول المجلس مجتمعين، وطالبوا به، فما أسخف نظامهم العالمي، وما أهون شعوبنا! وإلى الله المشتكى..

أما عن معاملة المسلمين المقيمين في دول الغرب المدنية فكلنا يسمع ويعلم ما يفعله الغرب بهم، فمِن: مَنع المُسلِمات مِن ارتداء الحجاب إلى تقييد حرية التنقل والهجرة، ووصفهم بالإرهاب، وممارسة العنف تجاههم، والإساءة بالسب لرسولهم الكريم -صلى الله عليه وسلم-، ولكتاب ربهم -عز وجل- جهارًا نهارًا، بلا مواربة أو استحياء.

ومِن قبل كانت حروب الإبادة والتطهير العرقي للمسلمين في "البوسنة والهرسك"، و"كوسوفو".. فأين تَعامُل "الغرب" بحضارته المادية المتقدمة مِن الإسلام بأخلاقه وضوابطه؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية