شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لماذا تغير موقف السلفيين من المشاركة السياسية؟

صوت السلف • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مصطلح الإسلام السياسي:

إن تسمية بعض الناس بعض الإسلاميين باسم الإسلام السياسي يوهم أنه يوجد إسلام غير سياسي أو أنه توجد طائفة ترى أنه لا دخل للإسلام بالسياسة، وهذا بلا شك تصنيف غير صحيح؛ لأنه لا يجهل مسلم أن الله -عز وجل- أنزل دين الإسلام؛ لصياغة حياة البشر بطريقة شاملة شمولاً تامًّا، يدل عليه قوله ـ تعالى ـ: ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (الأنعام:162-163) .

فشمول الإسلام لحياة البشر كلهم: أفرادًا وجماعات ودولاً أمر بديهي لدى كل الطوائف الإسلامية على اختلاف أنواعها، ونصوص القرآن تثبت تناول الإسلام لكل مناحي الحياة، فمن جهة الفرد غاية وجود الإنسان أن يحقق ما أمره الله -عز وجل- به، وخلقه الله مِن أجله: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ) (الذاريات:56) ، عبودية الفرد، وعبودية الأمة.

عبودية الفرد من خلال الإسلام والإيمان والإحسان، وعبودية الأمة من خلال أنظمة الحياة التي تشكل صبغة الحياة ونظام الإسلام لها ( صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ) (البقرة:138) .

وأنظمة الحياة موجودة في كل مجتمع من المجتمعات؛ إذ لا بد لكل مجتمع من نظام للحكم وللاقتصاد وللاجتماع وللحرب والسلم وللثواب والعقاب ولفصل الخصومات بين الناس والقضاء ولنظام إعلامي على تفاوت الأزمنة، وقد جاء الإسلام بكل هذه الأنظمة في الحقيقة.

فالنظام السياسي مبني على قاعدة أصلية قال -عز وجل-: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ) (يوسف:40) ، ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ ) (المائدة:49) .

فالحكم في الإسلام ونظام الدولة الإسلامية له مقصد وهو: تحقيق العبودية لله، وأن تقيم الدين وتحرسه، فتحرس الدين: العقيدة والعبادة والأخلاق وثابت الإسلام كلها، وفي نفس الوقت تسوس الدنيا بالدين، فلا بد أن تصاغ أنظمة الحياة البشرية بالإسلام.

وتقسيم الإسلام إلى: إسلام سياسي وإسلام غير سياسي مبني على تصور خاطئ غير سليم؛ لأن أولويات الجماعات والاتجاهات الإسلامية تختلف فيظنونها متناقضة وأن بعضها يرى الفصل وعدم المشاركة في السياسية ونحو ذلك، وإنما كانت هناك أولويات في مراحل سابقة -وما زال- أولوية معينة في إيجاد الشخصية المسلمة الملتزمة التي تقوم -كما ذكرت- على أن يكون الشخص مسلمًا مؤمنًا محسنًا، فهذا حجر الزاوية بالنسبة لنا واللبنة الأولى في البناء الذي نهتم به.

الفصل بين الأهداف الشرعية والأهداف السياسية:

لا بد أن تكون الأهداف السياسية ضمن الأهداف الشرعية، ولا بد حين نعمل عملًا معينًا أن تكون نيتنا لله -سبحانه وتعالى- ولا بد أن تكون متابعة لما ورد في الشرع؛ كي يكون العمل صحيحًا، فلا بد أن تكون هذه الأهداف فقط ترتيب أولويات: ما الأولى بالنسبة لي في هذا التوقيت، في هذا المجتمع، في هذه الظروف؟! وبين آخر يرى أولويات أخرى ولكن في النهاية لا بد أن تصب هذه الأهداف شرعية في غاية واحدة وهي: تحقيق العبودية لله، وفي نفس الوقت تكون متابعة لما جاء به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

لماذا قلنا: نعم في الاستفتاءات الدستورية؟

الحق أن الإخوة السلفيين كلهم وكذلك الاتجاهات الإسلامية الأخرى كلها أجمعت -بفضل الله- هذه المرة على الموافقة على التعديلات الدستورية، ليس ذلك لأننا نرى أنها تحقق الكمال المطلوب أو أن الدستور الحالي يشمل كل مطالبنا، بل هناك أشياء كثيرة لا بد من تعديلها، ولكننا نرى أن هذه التعديلات خطوة على طريق الاستقرار.

طرح بعض الناس فعليًا طلب تعديل المادة الثانية وقد صرح بعض السياسيين بأنها طرح تعديل الثانية وذلك بحذف الألف واللام منها فتصبح (مصدر رئيسي للتشريع) بعد أن كانت (المصدر الرئيسي للتشريع) لكن هذا الطلب رفض.

ثم شكلت اللجنة الثانية برئاسة الدكتور طارق البشري وتجنبت المساس بالمادة المحددة لهوية مصر، وبالتالي فنحن أردنا إرسال رسالة تتلخص في أن هذه القضية عندنا قضية كبرى: المحافظة على هوية البلاد من أن دينها الرسمي الإسلام ولغتها اللغة العربية، والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، لذلك كانت قضيتنا: ألا تمس هذه المادة.

خصوصًا أن بعض السياسيين المرشحين لرئاسة الدولة طارح لأن يعود لدستور 1923م الذي كان بعد ثورة 19 مباشرة، وكان ينص على أن الدولة دينها الرسمي الإسلام لكن لا ينص على مرجعية التشريع وبالتالي فالقانون الذي يفسره قال بأن معنى الدستور بهذه الطريقة أن يكون الدستور أولاً، القانون ثانيًا، العرف، ثالثًا، القاضي إذا لم يجد يمكنه أن يحكم بالشريعة الإسلامية فجعل الشريعة الإسلامية في الترتيب الرابع بعد المصادر الثلاثة الأولى، وعندنا شرع الله -عز وجل- فوق كل شيء.

وهذا يعبر عن عقيدة الأمة وبعض الناس يسميه: المبادئ العليا للدستور، أو النظام العام الذي يعبر عن عقيدة الأمة، فعقيدة الأمة هي الإسلام وكل الشعب المسلم في مصر لا يبقى بديلاً عن ذلك، فبعض الناس طالب بهذا، وبعضهم قال: نريد تعديلاً بسيطًا، نريد حذف الألف واللام!

فكأن دستور 23 يقول: الشريعة الإسلامية آخر المصادر = الحكم لغير الله إلا عند الضرورة وذلك حين يضطر القاضي ولم يجد شيئًا أن يلجأ إلى الشريعة الإسلامية.

أما دستور 71 قبل تعديل سنة 80 قال: إن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي من مصادر في التشريع، وهذا يفهم منه أن هناك مصدر أخرى رئيسية أيضًا، وبالتالي فهو لم يلزم أن الحكم لله أيضًا، وبالتالي أباح للمجلس التشريعي أن يسن تشريعات مخالفة للشريعة مأخوذة من شرائع أخرى.

ثم ألزم التعديل الدستوري الذي تم في سنة 80 أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي، وظل الاختلاف في هذه المادة المعروضة على المحكمة الدستورية طيلة ستة عشر سنة، فبعد مقتل السادات في حادثة المنصة حدث نوع من الطعن في دستورية قانون العقوبات أثناء المحاكمة؛ لأنها مخالفة للشريعة.

الصفحة التالية