لماذا تغير موقف السلفيين من المشاركة السياسية؟
صوت السلف • قضايا معاصرة
رفضت المحكمة هذا الطعن وقررت أن كلمة (المصدر الرئيسي) تسمح بوجود مصادر فرعية، وهذا يعني أنه يمكن مخالفة الشريعة الإسلامية أحيانًا.
ثم فصلت المحكمة الدستورية سنة 96 بعد طول بحث لأن كلمة (المصدر الرئيسي) تدل على الحصر، وأنه لا يجوز لأي مصدر فرعي أن يخالف الرئيسي، وبالتالي أصبح التفسير المعتمد لهذه المادة أن أية مخالفة للشريعة الإسلامية تصبح باطلة، وكل قانون يسنه مجلس الشعب أو الشورى مخالفًا للشريعة لا يعتمد ويصبح باطلاً.
وكان ذلك مكسبًا كبيرًا جدًّا، ومنع ذلك بالفعل تشريعات كانت مفروضة على مصر، فقد وقعت مصر على اتفاقيات مؤتمرات السكان العالمية التي كان لها مقررات فيها مخالفة خطيرة جدًّا، وهي تفرض على الدول الموقعة على هذه المقررات أن تسن التشريعات الموافقة لها، وقعت مصر بتحفظ وكان التحفظ على أشياء غير محتملة على سبيل المثال تكوين الأسرة، فتكوين الأسرة في عرف كل أهل الإسلام: رجل وامرأة بينهما علاقة زواج، أما مؤتمرات السكان فتسمح بتكوين أسرة بين رجل ورجل، وبين رجل وامرأة من غير زواج، وبين أنثى وأنثى، ومن هذه المقررات أيضًا: أن التفضيل في الميراث بين الذكر والأنثى من اضطهاد المرأة، وهذا بلا شك مناقض لصريح القرآن.
فعرضت هذه الأشياء على مجمع البحوث الإسلامية التزامًا بأنه لا بد أن تكون موافقة للشريعة، فرفض المجلس هذه التشريعات؛ لأنها مخالفة للشريعة، ولم تسن هذه القوانين بناء على هذه المادة، فكانت هذه المادة بلا شك مكسب كبير جدًّا.
وهذه المادة تمنع وصف المنازعة لله -عز وجل- في الحكم على المجالس التشريعية المصرية، ومعناها أن هذه المجالس لا تملك أن تنازع الله في حكمه، وأن شرع الله -سبحانه وتعالى- إذا ثبت فلا يمكن لأحد منازعته، كذلك حين يقسم رئيس الدولة ورئيس الوزراء وضباط الجيش والشرطة وأعضاء مجلس الشعب والشورى يقسموا على احترام الدستور الذي ينص على أن حكم الله لا يمكن أن يعارض، فهذا شيء عظيم جدًّا.
والبديل أن يقسم على دستور يقول: يجوز أن نخالف شرع الله، يجوز سن قوانين تخالف شرع الله، فهذه المسألة ليست صغيرة، وبالتالي رفض طلب تعديل هذه المادة رغم وجود كثيرين يطالبون به ونزعت مع أن المعركة لا زالت مستمرة إلى ستة أشهر لأنه سيكتب دستورًا جديدًا والجميع متفق على أنه هناك قوانين لا بد أن تغير لكن نقول هذه المادة لا بد أن تظل محافظة على هوية الأمة وربما تكون أكثر تأكيدًا وتوضيحًا؛ لأن هوية مصر أنها إسلامية وأنها عربية تنتمي إلى العالم العربي والإسلامي قضية عظيمة الأهمية وتصبغ كل مواد الدستور بعد ذلك بهذه الصبغة، أي أن معناها أن مادة مقدمة على غيرها؛ لأنها أصلاً مِن مبادئ العليا لأمة بل للدستور -النظام العام- التي في الحقيقة لو خالفها؛ لكان غير دستوريًا.
السلفيون وصناديق الاقتراع بين الماضي والوضع الحالي:
كان عزوفنا عن المشاركة السياسية قبل ذلك لم يكن لأجل أنه لا دين في السياسية ولا سياسية في الدين، بل عقيدتنا أن الإسلام ينظم كل شئون الحياة بما فيها السياسية، ولم يكن السلفيون هم الوحيدون الذين عزفوا عن السياسية بل كان كل الشعب في الحقيقة، والجميع يعلم أن عدد جميع من كانوا يشاركون الانتخابات والاستفتاءات كلها لا يتجاوز المليون، بعد الثورة حدثت تغييرات كبيرة جدًّا، ونحن أولًا جزء من الشعب المصري المسلم وبلا شك لنا وجودنا السابق، وقد مارسنا -ومعنا الاتجاهات الإسلامية الأخرى- دور المعارضة الحقيقي والذي من أجلها سن "قانون الطوارئ"، ومِن أجلها دخل الناس السجون وقد دخلت السجن ثلاث مرات ومن أجلها وقع اضطهاد للملتزمين خصوصًا الملتحين في قطاعات عريضة جدًّا في العمل وفي التعليم، ومن الجهات الأمنية طيلة خمسة وثلاثين سنة.
ثم تغيرت الموازين وشعر الناس أن هذا الاستفتاء خطوة إيجابية وأنها تحترم الجماهير وتحترم إرادة الشعب، وفي نفس الوقت هناك فرصة للتغيير من خلال المشاركة الإيجابية، أما في الماضي -قبل الثورة- فكانت موازين القوى تفرض على كل من يشارك أن يتنازل عن ثوابت عقدية لا يمكن أن نتنازل نحن عنها، لا بد أن يقبل أن يقال له على سبيل المثال: إذا جاءت صناديق الاقتراع برئيس قبطي أو زنديق هل تقبل أم لا؟!
أنا لا أخجل أن أقول: قال الله -عز وجل-: ( وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا ً) (النساء:141) ، وكما أن العالم كله قَبِل أن يكون رئيس إسرائيل ورئيس وزرائها لا يمكن أن يكون غير يهودي، وقبلتم أن تكون ملكة أو ملكها انجلترا هو رئيس الكنيسة البروتستانتية وأن رئيس دولة الفاتيكان لا بد أن يكون بابا الكاثوليك، وهناك سبع دول في أوروبا -أعضاء في الاتحاد الأوروبي- تنص دساتيرها على ديانة ومذهب رئيس الدولة، فلم يفرض علينا أن يكون الرئيس غير مسلم؟! ونهتم بأننا نريد فتنة طائفية.
كذلك أيضًا لا بد عندهم أن نوافق على الأدب الإباحي وأدب الزندقة وإلا كنا غير ديمقراطيين، أما نحن فنقبل منن الديمقراطية ما يوافق الشرع منها، فقد أخذت الديمقراطية بعض محاسن النظام الإسلامي وضمت إليه قاعدة غير محتملة بالنسبة لنا وهو أن السلطة التشريعية أو حق التشريع يكون للناس.
وقد شهدت العصور الوسطى في أوروبا نوعًا من التشريع البشري المصبوغ بالصبغة الإلهية، وهي الدولة الدينية عند أوروبا وهي تعني: أن الحاكم يحكم بالحق الإلهي، لا يحكم على أساس أنه بشر من البشر أو وكيل عن الأمة، ولذلك فهم لا يعرفون الدولة الدينية إلا الدولة الثيوقراطية التي فيها الحاكم إذا قال؛ فقد قضى الرب، وإذا حكم فقد حكم الرب، ومن يخالف يطرد من الجنة، والجنة بيد الحاكم سواء أكان سلطانًا دينيًا أو سلطانًا دنيويًا.