القهر-السحر-الكذب.. ثلاثية أهل الباطل في مواجهة أهل الحق
محمد إسماعيل أبو جميل • قضايا معاصرة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
فإن هناك ثلاثة وسائل إذا استخدمها الخصم؛ دل على ضعفه وإفلاسه، بل ويُبشر بانهزامه، ووقوع ما يحذر وإتيانه مِن حيث لم يحتسب..
وهذه الثلاث هي:
1- محاولة القهر بالقوة.
2- السحر.
3- الكذب.
وإن الناظر للصراع بيْن الحق والباطل؛ ليرى ذلك واضحًا جليًا.
أولاً: محاولة القهر بالقوة:
من ذلك ما كان مِن بطش فرعون بموسى وقومه منذ أن أُخبر بأنه سيولد من بني إسرائيل ذكر يكون هلاك ملكه على يديه ( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) (البقرة:49) ، ثم مِن بعد مجيء موسى -عليه السلام- ( قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ . قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) (الأعراف:127-129) .
ففي الحالين استخدم القوة والبطش؛ لعدم قدرته على الإحاطة بالخطر الذي يترقبه مِن ظهور هذا الغلام مرة، ومِن ظهور دعوة الحق التي لا يقف خطرها عند عبادة بني إسرائيل لربهم -عز وجل- فهم طوال تواجدهم بمصر، وهم أحفاد يعقوب -عليه السلام- معلوم دينهم، وهو عبادة الله دون ما سواه، لكن الخطر الجديد أن تصيب هذه الدعوة أبناء ملأ فرعون؛ فيذروا عبادته، وكذلك في خروج بني إسرائيل مِن تحت سلطانه.
وبالطبع ليس عنده مِن الحجة والفكر ما يواجه دعوة الحق؛ فإن أي باطل أضعف مِن أن يزعم قدرته على أن يواري شمس الحق أو يطفئ نورها ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (الصف:8) ، وأقصى ما يقدر عليه فكما يفعل السحاب إذا حجب الشمس ثواني أو دقائق وسرعان ما ينقشع الغيم، ويظهر للناس نور الحق.
فلما كان مفلسًا مِن ذلك فما وجد إلا البطش والتنكيل.. ولما بلغ تجبره ذروته، وأراد استئصال بني إسرائيل جميعهم، واستعظم قوته، وظن قدرته على ذلك ( فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ . إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ . وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ . وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ . فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ . فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ . فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ . وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآَخَرِينَ . وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآَخَرِينَ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) (الشعراء:53-68) .
وهكذا حال أعداء الله -عز وجل- لما يستشعروا الخطر مِن أهل الإيمان، وأن دعوتهم ستكون سببًا في زوالهم؛ إذ إن دعوة الإيمان ليست ذاتية، بل متعدية ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ.. ) (آل عمران:110) ، "إن الله ابتعثنا لنخرج العباد مِن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"؛ فتهدف لإزالة كل مَن يصد الناس عن الله.. فإذا استشعروا ذلك الخطر، وبالطبع ما كان عندهم مِن برهان ولا حجة يواجهونهم به -وأنى لهم ذلك-؛ لجأوا للسجن والتعذيب، والبطش والتنكيل.. وهذا وإن طال زمنه إذا تحلى أهل الإيمان بالصبر والإيمان؛ وُلد من رحم ذلك التضييق فرج واسع -بإذن الله جل وعلا- ( فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ ) (المائدة:52) ، ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (يوسف:21) .
وكذا في قصة "غلام الأخدود"، لما أراد الملك البطش به؛ لأنه يستخرج رعيته مِن سلطان عبادته، ولا سبيل له لمواجهة هذه الدعوة بالبيان والإنصاف والحجة؛ أتاه ما كان يحذر، وآمن الناس.
وكذلك في "العهد المكي" ما زاد التعذيب والتنكيل الصحابة إلا ثباتًا وإيمانًا حتى أذن الله لهم بالهجرة، وجعل لهم مخرجًا، وفُتحت لهم الدنيا من بعد ذلك.
ولقد صبر أهل الحق في هذا الزمان على البطش والتنكيل، ومحاولة القهر بالقوة حتى أتاهم فرج مِن حيث لا يعلمون.. نسأل الله أن يتم نعمته وفرجه على دينه وعلى أهله.
ثانيًا: السحر:
وهذا المثل واضح جلي أيضًا في قصة موسى وسحرة فرعون، فكعادته ( فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى ) (طه:60) ، بعد أن نصحه ملأه: ( وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ . يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ) (الأعراف:111-112) .