شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

القهر-السحر-الكذب.. ثلاثية أهل الباطل في مواجهة أهل الحق

محمد إسماعيل أبو جميل • قضايا معاصرة

وقال السحرة مستعلين بجهلهم وسوء ظنهم، متناسين ربهم: ( فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى ) (طه:64) ؛ ولأنه كانت لهم السلطة الإعلامية بحكم قربهم مِن فرعون: ( وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) (الأعراف:114) ، كانوا هم أول من ألقى، ونسوا أن ( إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ) (طه:69) ، و( إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ) (يونس:81) ؛ فأتي من حيث لم يحتسب ( فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ . وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ . قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ) (الأعراف:118-122) .

واليوم يطل علينا سحر مِن نوع آخر غير سحر سحرة فرعون، بل قد يكون أشد فتكًا، ولكن هيهات هيهات: ( وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى )؛ إنه سحر البيان: ( إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا ) (رواه البخاري) ، إنه سحر الإعلام: فضائيات، وصحف ومجلات، ومواقع على شبكة الإنترنت.. تُزيِّف الباطل وتلبسه ثوب الحق.. وكأني بهم قالوا قولتهم: ( فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى )!

يريدون سحر عقول وقلوب الناس حتى لا تَقبل دعوة الحق، ولكن -بفضل الله- القلوب مائلة بفطرتها إلى نور ربها فما أن يخرج أهل الحق ويلقون على مسامع الناس حجج النور وبينات الهدى فسرعان ما تلقف هذه البينات حبال وعصى هؤلاء السحرة الجدد.. وسبحان الله! "إن الحق واضح أبلج، والباطل لجلج"، فلا يكاد الباطل أن يصمد أمام حجة الحق.. هذا لو سمع الناس مِن أهل الحق كما سمعوا، وكما أعطوا آذانهم لأهل السحر.. ومَن أراد الحق فعلاً سعى إليه، وبحث عنه بإخلاص واجتهاد.

وكما أن استخدام فرعون السحر يدل على ضعف رصيد قدرته على مواجهة الحق الحجة بالحجة، فتوهم أن الحل ـإذن ـ في سحر أعين الناس؛ لئلا تنصرف إلى برهان الحق.. وظن أن قوة الحق التي مع موسى ـ عليه السلام ـ مِن قبيل وهم سحره، فطلب المناظرة سحرًا بسحر.. وما علم أنها مواجهة وهم بحق، وضعف بقوة، وظلمة بنور.. فسرعان ما بان عوره للناس، وكان سحرته أول مَن اهتدى بنور الهدى، فأتي مِن حيث ظن النصر والغلبة.

ولذا.. فليبشر أهل الإيمان.. طالما اجتهدوا واستفرغوا الوسع في عرض منهجهم بلا تقصير وبلا تنازل، ولا مداهنة.. إن كيد سحرة زماننا سيمضي كما مضى سحر فرعون وأمثاله، ولا يهتموا بتشغيب أهل الباطل -وهو نوع مِن سحرهم- والذي لا يُحسنون سواه إذا ما كانت المناظرة علانية -على الهواء مباشرة- أو وجهًا لوجه؛ فإذا ألقموا حجرًا بحجة دامغة من حجج أهل الحق تفضح عورهم؛ فليس عندهم إلا قطع الاتصال -صدفة أو لعطل فني- أو مقاطعة المتحدث وبتر كلامه للدخول في منحى آخر يشتت المشاهد عن هذا النقطة التي يتحدث فيها!

أو هذا التشغيب الذي يشبه تمامًا فعل فرعون في مناظرة موسى -عليه السلام- له إذ لا يستطيع الرد على حجته ( قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِين . َقَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِين . قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونََ . قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ . قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ . قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ . قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ . قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ . قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ . وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِين . َقَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ . يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ) (الشعراء:23-35) .

وبهذه العبارات التي لا تتناسق مع الإجابة يظن قائلها مع سرعة التفاته لمحاور آخر، ومع كونه هو الذي يدير الحوار وربما مع علو صوته يظن أن كلمات خصمه -صاحب الحق- ستذوب، وأن المستمع كأنه لم يسمعها؛ لأن مَن يدير الحوار لا يعقب عليها أو يعطيها نوع اهتمام كما يعظم ويفخم كل فرية تفتري على أهل الحق، ولكن -بفضل الله عز وجل- فإن كلمة واحدة من براهين أهل الإيمان في بحر هذا الركام تظهر وكأنها نجم، بل إن شئت قلت: شمس في سماء ظلام سحرهم، أو كسطر لؤلؤ أبيض في صفحة سواد مكرهم، يراها كل مَن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أو كان منصفًا حقًا أو مخلصًا في بحثه عن الحق.

الثالث: الكذب:

وهذا ما يدل على الهزال التام، ونفاد الرصيد والفشل الذريع، فلما لم تفلح قوى البطش ولا السحر، فما وجدوا أمامهم سوى الكذب الصراح؟! وهذا -بفضل الله- أهون أسلحتهم -وإن شاء الله آخرها- طالما جدَّ أهل الإيمان وثبتوا على الحق، واستفرغوا الوسع والقدرة في البذل والعطاء، ويكفينا لصد ذلك ومواجهته حسن بيان الحق للناس.. وكل عاقل بصير سيرى عور الكذب وزور هذا البهتان ـ إن شاء الله له الهدايةـ ( إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ) (الأعراف:155) .

ولقد رمي النبي -صلى الله عليه وسلم- كذبًا وزورًا بالجنون، والسحر، والكهانة، والشعر، والكذب -بل وعامة الأنبياء كذلك-، وحذر المشركون الناس مِن أن يصبهم مِن سحره، وما أن يسمع المرء كلامه -صلى الله عليه وسلم- حتى يتبين له صدقه -صلى الله عليه وسلم-، وسرعان ما ينجلي أمامه الحق، بل ولربما ندم أن أعطى أذنه لافتراءات المدعين.

وإليك هذا المثال:

الصفحة السابقة الصفحة التالية