شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

(أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)

محمد رجب • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الله -تعالى- لمَّا أرسل نبينا محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، أرسله على حين فترة مِن الرسل، أرسله وقت ظلمة عمت الأرض بأهلها، واستحقت مِن الله -تعالى- غضبه وسخطه، لكنَّ الله -عز وجل- برحمته بعباده أرسل النبي محمدًا -صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين، فقام نبي الله -صلى الله عليه وسلم- خير قيام، ودعا خير دعوة، واستن بهدي كلِّ مَن جاء قبله مِن إخوانه الأنبياء والمرسلين.

قام النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- يدعو قومه ويذكرهم، قام وحده في بادية واسعة، في صحراء شاسعة لا يجد فيها سندًا ولامعينًا، بل يجد العرب أجمعهم، وقريشًا خاصة يعارضونه، بل ويحاربونه!

وجد أنواعًا مِن التنكيل والتعذيب، ما مِن شأنه الصد عن سبيل تلك الدعوة المباركة، لكنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استند إلى الله ربِّ العالمين، وتوكل على الحي الذي لا يموت، وفوَّض أمره إليه -سبحانه-.

وجاءه كفار قومه بعد ما رأوا نجاح تلك الدعوة شيئًا فشيئًا، جاءوه يفاوضونه، يحاولون أن يصلوا إلى مهادنته، لكنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أعلنها لهم، وأعلنها لكل مَن جاء مِن بعدهم، ووضعها علمًا في طريق تلك الدعوة المباركة: ( مَا أَنَا بِأَقْدَرَ عَلَى أَنْ أَدَعَ لَكُمْ ذَلِكَ عَلَى أَنْ تَشْعِلُوا لِي مِنْهَا شُعْلَةً ) -يَعْنِي: الشَمْس-. (رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وأبو يعلى في مسنده، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن، وحسنه الألباني) . هكذا أعلنها النبي إعلانًا خالدًا، إعلانًا باقيًا، علمًا في طريق الاستنان بهديه: ( مَا أَنَا بِأَقْدَرَ عَلَى أَنْ أَدَعَ لَكُمْ ذَلِكَ عَلَى أَنْ تَشْعِلُوا لِي مِنْهَا شُعْلَةً ).

النبي -صلى الله عليه وسلم- علَّمَ النَّاس مراد ربِّ النَّاس، ودعا إلى الإسلام الذي ارتضاه الله -تعالى- لنا دينًا، دعا إلى شريعة تحكم النَّاس في جميع شئونهم، لا الشمس ولا القمر، ولا الدنيا بما فيها تعدل شرف تلك الشريعة، تعدل شرف الانتساب إلى الدعوة إليها، لا يعدل شيء في تلك الدنيا أمرًا مِن أوامر الله -تعالى- في دينه وشرعه، كلُّ أمر مِن أوامر الله -عز وجل- له شرف في نفسه، منفعة في ذاته، لهو منجاة بيْن يدي الله -عز وجل- يوم يقوم النَّاس لربِّ العالمين؛ علِم ذلك رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم-، وعلَّم ذلك كل النّاس، وأعلنها صريحة واضحة في غير خفاء: "هذا دين الله -تعالى-".

فما هو دين الله -تعالى- هذا الذي أعلن به محمد -صلى الله عليه وسلم-، وقام سنين طِوالاً يدعو النَّاس إليه، ويُربي أصحابه عليه؟! فإذا به فيمن خلَفه ينحصر، يضيق، يتشتت في أذهان هؤلاء المتدينين به، هؤلاء المؤمنين المسلمين، هؤلاء الذّين انتسبوا إلى دين ربِّ العالمين، شريعة الله -تعالى-، إلى الإسلام.

فما هو الإسلام الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم-؟ هل هو ذلك الإسلام المقصور المحصور بيْن جدران مسجد أو زاوية، أو ربما بين جدران جامع كبير؟!

هل هو ذلك الإسلام المقصور المحصور على تلاوة للقرآن أو على ذِكر واستغفار؟! على تهليلات أو تكبيرات في صلاة العيد؟!

هل ذلك الإسلام الذي دعا إليه محمد -صلى الله عليه وسلم-.. هل هو محصور مقصور في عقائد المسلمين؟! في قلوب المؤمنين؟! هل هو محصور مقصور في سرادقات تقام، أو مناسبات يُدعى إليها؟

هذا شيء مما دعا إليه النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- قام داعيًا، وربَّى رِجالاً، وأقام دولة، وجاهد بجيش، فقُتِلَ مَن قُتِلَ، ورفع اللهُ مَن رفع، وأذل اللهُ من أذل؛ لأجل كلمة الإسلام، لأجل ذلك الدِّين.

فهذا دين عظيم، هذا مراد الله -تعالى- من عباده، إن ذلك الدِّين لَيُبين للنَّاس ما يريد الله منهم، اللهُ -تعالى- الذّي خلقهم، فهو يملكهم فـ ( لَهُ الخَلقُ والأمرُ تبارَكَ اللهُ أحسنُ الخَالِقين ) (الأعراف:54) .

ذلك الدِّين الذي دعا إليه محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-، لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- لمَّا بنى مسجده في مدينته -التي نُوِّرَت به -صلى الله عليه وسلم- لم يكن أبدًا يريد أن يَقصِر ذلك الدِّين داخل جدران ذلك المسجد المبارك -ولو كان مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ما أراد ذلك!

وإنما أراد أن يشع نوره في كل فرع مِن فروعه، في كل أمر من أموره، في كل أمر من أوامر الله -تعالى-، أن يشع مِن المسجد، أن يشع مِن تلاوة القرآن، أن يشع من الصيام والقيام، أن يشع من الأذكار والاستغفار، أن يشع مِن تهليلات وتكبيرات العيد، أن يشع نوره على الأرض جميعًا؛ ليعم خيره البشرية جميعًا، فهذا تصديق قول الله -تعالى- لمحمد -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء:107) .

فلا تقصروها ولا تحصروها؛ فتلك رحمة واسعة عامة تشمل كلَّ النَّاس، فمن قَبِلَها؛ فله القبول والرضا، ومن أبَى؛ فلا يلومنَّ إلا نفسه؛ ولكن تبقى تلك الشريعة المحمدية شريعةً عامةً شاملة، لا تشمل النَّاس بأجناسهم فحسب، وإنما تشمل النَّاس في أفرادهم، كلُّ فرد في كلِّ شأن مِن شئونه لله -تعالى- عليه فيه طاعة، لله -تعالى- عليه فيه تكليف، لا يخرج أمر مِن أمور النَّاس في جموعهم، ولا في أفراد النَّاس في شخوصهم مِن أمر الله -تعالى-، وشرعه ودينه، فهذا شرع الله ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (غافر:64) .

فالذي له الخلق هو الذي له الأمر، والذي يملك الخلق هو الذِّي يملك الأمر، يملك النهي، يملك التشريع، يملك الحكم: ( لَهُ الحُكمُ وإِليهِ تُرجعون ) (القصص:88) ، فمن رضي بالله خالقًا، لابد أن يرضى بدين الله -تعالى- شرعة ومنهاجًا. رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًا ورسولاً.

الصفحة التالية