(أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)
محمد رجب • من نور الوحيين
عباد الله: هذا دين الله -تعالى- الذي ربى النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- عليه الصحابة -رضي الله عنهم-، فخرج إلى العالم جيل يكاد يتشكل أمام النَّاس مِن "لا إله إلا الله"، ترى فيهم ما تسمع منهم، تكاد تتجسد فيهم أوامر ربهم؛ كان ذلك المجتمع خير مجتمع سار على تلك الأرض، كما كان نبيهم وإمامهم -صلى الله عليه وسلم- خير خلق الله -تعالى-، كذلك كان الصحابة -رضي الله عنهم-!
ما ذلك الجيل العجيب.. ؟! إنه جيل تحقق فيه مفهوم الدِّين بشموله، تحقق فيه مفهوم الإسلام بعمومه، فلم يترك شأنًا مِن شئون هؤلاء الرجال إلا وقد حكمه دين الله -تعالى-؛ فلما كان الأمر كذلك ظهر ذلك الجيل الذي حٌقَّ له أن يحمل بناء الدعوة؛ فإن دعوة الإسلام لم تحملها جدران المساجد فحسب، وإنما حملتها أعناق هؤلاء الرجال، هؤلاء الرجال حقاً بنص الله -تعالى-: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) (الأحزاب:23) .
هؤلاء الرجال الذين صَحِبوا النبي -صلى الله عليه وسلم- على أوامر الله، على دين الله، كانوا يرجعون إليه في مكةَ والمدينة، في كلِّ شأنٍ مِن شئونهم، ألا تراهم حينما أشار عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في تأبير نخلة، وهو أمر مِن أمور الدنيا، شأن من شئونهم، قد يكون الواحد فيهم بتجربته واشتغاله أكثر خبرة مِن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه، لكنّهم ما ردوا على النبي -صلى الله عليه وسلم- مشورته، بل أخذوا تلك الكلمة على أنها أمر مِن النبي -صلى الله عليه وسلم- فعملوا به، ولم يراجعوه.. مع كونهم يعرفون أن الأفضل لزرعهم خلاف ما قال نبيهم -صلى الله عليه وسلم-!
أخذوا كلمات النبي -صلى الله عليه وسلم- دون معارضة، بل دون مراجعة، دون انتقاء تلك المِصفاة التي منها يُغربل ذلك الدِّين، فيُؤمن ببعض الكتاب ويُكفر ببعض، لم تكن لديهم تلك المِصفاة التي تقول: "أعط ما لله لله، وأعط ما لقيصر لقيصر"! بل إن الأمر كلَّه لله.
فقبل الصحابة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلَّ توجيه، كلَّ لَفتة، كلَّ سكنة، هكذا كانوا ينظرون إليه؛ لأنهم كانوا يعلمون أنه -صلى الله عليه وسلم- الذي يبيِّن لهم مراد الله -تعالى- منهم، في كلِّ حركة، في كلِّ كلمة، في كلِّ سكتة، في كلِّ لحظة، في كلِّ إشارة، فإنك تجد في هديه فيما رواه عنه الصحابة -رضي الله عنهم-، تجد كلَّ ذلك يرويه الصحابة عنه، يعتبرونه دينًا، فإذا سكت: كان السكوت دينًا، وإذا تكلم: كان الكلام دينًا، وإذا نظر: كانت النظرة دينًا، وإذا نام: كان النوم دينًا!
هكذا تربى رجال حول النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهكذا أُقيم دين الله -تعالى-، وهكذا تحمَّل الصحابة -الجيل الأول- ذلك الدِّين، تحمَّلوا وفَهِموا الإسلام، فبلغوه لمن وراءهم؛ ولذلك عُمِّرت البلاد، وفُتِّحت قلوب العباد، على أيدي هؤلاء الرجال.
عباد الله: عندما تربى الصحابة على تلك الشريعة رأينا فيهم أبعاد ذلك الدِّين واضحة في تصرفاتهم، إن هذا الدِّين لم يحكم مِن الصحابة ظواهرهم فحسب، ولا ما جرت به عادتهم فحسب، وإنما حكم ذلك الدِّين كلَّ شأن مِن شئونهم، حكم بواطنهم وقلوبهم، ما لايطلع عليه إلا الله -تعالى-، الذي يعلم السر وأخفى، فلمَّا علموا أنه يعلم السر وأخفى؛ راقبوا الله في سرهم وما كان أخفى.
رأينا ذلك الشرع.. يحكم مِن الصحابة الانفعالات، يحكم أحوال الاستثناءات، يحكم المشاعر، يحكم الغضبة، يحكم الفرحة.. يحكم كلَّ حال مِن شأنها أن تخرج العبد عن عادته وما جرى عليه، بل لا يستطيع قانون ولا دستور ولا رأي مِن البشر، أن يراقب تلك الأحوال التي قد يَحصُل فيها ما لا يعاتب فضلاً عن أن يعاقب عليه ذلك الإنسان!
لكن دين الله وشرعه الذي تربى عليه صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حكم ذلك كلَّه، قضى على ذلك كلِّه، فتربى هؤلاء الرجال ورأينا منهم ما لا يوجد في تاريخ الإنسانية مثله، ذلك بأن حكمهم أمر الله -تعالى- وحده، لا دستور، ولا قانون، ولا فلسفة، ولا فكر، ولا نظر، مِن نتاج عقول النَّاس وأهواء البشر، ذلك بأن الله -تعالى- هو ربُّ النَّاس وخالقهم، فتبارك الله أحسن الخالقين.
هذا خُبيب بن عَدي رضي الله عنه، وقد خرج في طائفة مِن الصحابة -رضي الله عنهم-، أرسلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عينًا، فاجتمع عليهم بعض النَّاس مِن المشركين في أحداث انتهت بأسر خُبيب وزيد بن الدَّثِنة -رضي الله عن صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-، بعد ما قُتِل مَن قُتِل، فسار المشركون بخُبيب، وباعوه في مكةَ إلى أبناء الحارث بن عمرو، وكان خُبيب قد قتل الحارث يوم بدر، فباعوه إليهم؛ ليقتلوه، فحبسوه في الدار حتى تنقضي الأشهر الحرم، فلمَّا أَذِنَ وقت قتله، استعار خُبيب من ابنة للحارث موسى؛ ليستحدَّ به، فأعطته ذلك الموسى، فإذا ببُنيٍ -صبيٍ- لها، درج حتى وصل دون أن تدري إلى خُبيب، فنظرت إلى خُبيب فرأته مُجلسَ البُنيَّ على حجره، قالت: ففزعتُ فزعةً عرفها مني خُبيب.
فقال لها: أتخشينَ أن أقتله؟! "هذه عادة النَّاس، هذا ما جرى عليه النَّاس، ولا حرج في ذلك يا خُبيب، فأنت مأسور ظلمًا، ومحبوس هضمًا، أنت في حرب مع هؤلاء المشركين، وفي مثل تلك الأحوال قد تبرر الغايةُ الوسيلةَ، مقتولٌ مقتولٌ، فلِمَ لا ينجو بذلك بنفسه؟!".
"أتخشينَ أن أقتله؟!". فيجيبها خُبيبٌ، ويضع الإجابة علَمًا على ذلك الدِّين، ويضع الإجابة رايةً ترفرف على ذلك الجيل، وتعلن أنه تربية محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، على دين الله، الذِّي لا يمكن أبدًا أن يُنتج غيره، ذلك الَّذِي قد حصل. "أتخشينَ أن أقتله؟! لم أكن لأفعل ذلك"! فقط "لم أكن لأفعل ذلك"!
لماذا لم تكن لتفعل ذلك يا خُبيب؟!
لأنه واحد مِن الذين تربَوا على مائدة محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن الغاية عنده لا تبرر كلَّ وسيلة، لأنه تخلَّق بأخلاق ذلك الدِّين، لأن الدِّين يحكم منه كلَّ أمره، حتى الباطن، حتى الانفعالات، حتى أحوال الاستثناءات، دين الله يقضي، حاكم، غالب، ليس بمقضي عليه، ولا محكوم، ولا مغلوب.