شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نعمة الهداية

نبيل خميس • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلقد أقسم الله -عز وجل- بعدة أقسام متتابعة متتالية في أوائل سورة الشمس، والله -عز وجل- له أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، أما المخلوق فلا يقسم إلا بالله، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كَانَ حَالِفًا؛ فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ ) (متفق عليه) ، وقال ( مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ؛ فَقَدْ أَشْرَكَ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

والله -عز وجل- إذا أقسم بشيء فإن ذلك ليبين لنا أهميته، وأهمية ما يقسم عليه، يقول الله -عز وجل- في سورة الشمس: ( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا . وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا . وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا . وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا . وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا . وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا . وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا.. ) (الشمس:1-8) .

فيا ترى ما هذه القضية ذات الشأن العظيم التي يقسم الله -عز وجل- من أجلها كل هذه الأقسام المتتالية؟!

فلا شك أنها قضية خطيرة.. بل إن شئت قل: هي أخطر وأهم قضية في حياة كل إنسان.

يقول الله -عز وجل- مبينًا لنا ما أقسم من أجله: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) (الشمس:9-10) ، نعم والله.. قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، فطهرها من الأخلاق الرديئة، ومن الرذائل القبيحة، وسار في طريق الهداية، ونأى بنفسه عن طريق الضلالة والغواية. وقد خاب وخسر من أخمل نفسه بخزيانه إياها عن طريق الهداية، وسلك وسار بها في طريق الانحراف والضلالة والغواية.

فـ( مَنْ زَكَّاهَا ) هذه هي الهداية، و( مَنْ دَسَّاهَا ) هذا هو الانحراف والانتكاس عن طريق الهداية.

ولقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو سيد الأولين والآخرين وخاتم الأنبياء والمرسلين يسأل ربه الهداية، كما جاء في الدعاء الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه: ( اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا.. ).

وهذه الهداية التي كان يسألها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في دعائه هي هداية التوفيق التي يوفق الله -عز وجل- إليها مَن شاء من عباده: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) (القصص:56) .

ونعمة الهداية هي أعظم نعم الله على العبد؛ أن يحبب الله إلى العبد الإيمان ويكرِّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، وهذه الهداية لا يملكها إلا الله، وهي المقصودة في قول الله -عز وجل-: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) (العنكبوت:69) ، وهي المعنية في قول الله -عز وجل-: ( وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (يونس:25) ، والهداية هي منة مِن الله على عباده: ( بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ ) (الحجرات:17) ، ويقول -تعالى-: ( كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ) (النساء:94) ، يعني: كذلك كنتم من قبل تسيرون في طريق الانحراف والغواية، فمَنَّ الله عليكم، وقذف في قلوبكم نور الهداية.

ولقد استشعر الصحابة -رضي الله عنهم- هذا المعنى، وهو أن الهداية منة مِن الله ونعمة، روى الإمام البخاري في صحيحه عن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- قال: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى خيبر، فسرنا ليلاً، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك، وكان عامر رجلاً شاعرًا "فأرادوا أن يسمعهم من شعره"، فنزل يحدو بالقوم ويقول:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا

فاغفر فداء لك ما اقـتفينا وثبت الأقدام إن لاقينا

فلما سمعه النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنْ هَذَا؟ ). قالوا: عامر. فقال: ( يَرْحَمُهُ اللَّهُ ) (متفق عليه) .

أسباب الوصول إلى الهداية:

ولا شك ـ أيها الأخوة الأحباب ـ أن الهداية إلى طريق الصلاح والاستقامة لها أسباب كثيرة، من هذه الأسباب:

العلم: العلم بالله، والعلم بأسمائه وصفاته؛ فمن أراد الهداية لابد أن يكون عالمًا بالله وبأسمائه وصفاته، يقول الله -عز وجل-: ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) (محمد:19) ، فقدم الله -عز وجل- العلم قبل العمل، والمتمثل هنا في الاستغفار. والاستغفار والتوبة هي مِن أولى الخطوات التي يخطوها العبد على طريق الهداية.

التوبة: فمن أراد أن يمن الله عليه بنعمة الهداية لابد له أولاً أن يتوب إلى الله -عز وجل-، يقول -تبارك وتعالى-: ( وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ) (الرعد:27) ، فإذا أناب العبد إلى الله، وتاب إلى الله؛ هداه الله -عز وجل-.

الإيمان: وهو من أعظم أسباب الهداية، والإيمان هو: الاعتقاد والتصديق بالجنان، والنطق باللسان، والعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان؛ يقول الله -عز وجل-: ( وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ) (التغابن:11) ، ويقول -سبحانه-: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ) (يونس:9) .

الدعاء: وهو من أمضى الأسلحة وأقواها في وصول العبد إلى ما يريد من الهداية، فالدعاء هو العبادة يقول الله -عز وجل-: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (غافر:60) ، ونحن نقول في صلاتنا في كل يوم: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ )، يعني: دلنا على الصراط المستقيم، ووفقنا لسلوكه.

فيا مَنْ تريد الهداية.. احرص على الدعاء خاصة في أوقات إجابة الدعاء: كالثلث الأخير من الليل، وعند السجود، وآخر ساعة في يوم الجمعة، وعند نزول المطر، وغيرها من الأوقات الشريفة والفاضلة.. تذلل بين يدي مولاك في الدعاء، وادع الله وأنت موقن بالإجابة.

المجاهدة: والمجاهدة على نوعين: أن تجاهد نفسك الأمارة بالسوء على السير في طريق طاعة الله، وأن تجاهد شيطانك الذي يوسوس لك السير في طريق معصية الله

الصفحة التالية