شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نعمة الهداية

نبيل خميس • التزكية

ولقد وعد الله -عز وجل- الذي يجاهد نفسه ويجاهد شيطانه بالهداية، فقال: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ).

قصة هداية الفضيل بن عياض -رحمه الله-:

ولا شك أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، فالله -عز وجل- إذا أراد هداية عبد من عباده؛ قذف نور الهداية في قلبه، ولو كان أفجر الناس وأفسقهم.

ولنا في قصص السابقين من هذه الأمة العبرة والعظة، والأسوة الحسنة؛ نستضيء بها في طريقنا إلى الله -عز وجل-، فهذه قصة هداية "الفضيل بن عياض"، وهو الملقب: بـ"عابد الحرمين".

وتوبته مشهورة معروفة.. نقلها الإمام الذهبي -رحمه الله- فقال: "كان الفضيل بن عياض شاطرًا، والشاطر هو اللص الذي يقطع الطريق على الناس وينهب ما معهم من أموال -"فهذه الكلمة التي نقولها لأولادنا إذا فعلوا شيئًا حسنًا أو جيدًا.. ذلك هو معناها"-، وكان سبب توبته أنه عشق جارية فبينما هو يرتقي الجدران إليها بالليل؛ ليقع بها في الفاحشة؛ إذ سمع تاليا يتلو قول الله -عز وجل-: ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ) (الحديد:16) ، فقال الفضيل: بلى يا رب، قد آن.

وكان الذي يقرأ القرآن هو جاره قام بالليل، ليصلي، والفضيل كان يتسور إلى المرأة الجدار؛ ليفعل بها الفاحشة، فلما سمع الآية؛ وقعت في قلبه، ودخل نور الهداية إلى قلبه. فرجع ولم يفعل ما أراد مع المرأة، فأواه الليل إلى خيمة، فإذا بها أناس مسافرون، وكانوا يتشاورون فيما بينهم في الرحيل، فقال بعضهم: نرحل، وقال البعض: لا حتى نصبح، لا نرحل الليلة فإن فضيلاً على الطريق يقطع علينا الطريق.

فسمعهم الفضيل، يقول: ففكرت.. وقلت: أنا أسعى بالليل بالمعاصي وقوم من المسلمين هاهنا يخافونني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، ثم قال: "اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام".

فصار ذلك الشاطر اللص السارق -بفضل من الله ومنة- من أعلام سلف هذه الأمة، وصارت له أقوال تنير وتضيء الطريق للسائرين والمهتدين.

من هذه الكلمات الذهبية للفضيل بن عياض: "الزم طريق الهدى، ولايضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين".

فلا شك أنه كما توجد أسباب يهدي بها الله -عز وجل- من شاء مِن عباده إلى طريق الهداية، فكذلك توجد عوائق تمنع المحرومين من الهداية، فكان لابد لنا أن نتعرف عليها؛ لنبصر طريق الهداية واضحًا جليًا؛ فنزيل هذه العوائق التي تمنعنا من سلوك طريق الهداية.

ومن هذه العوائق:

الاحتجاج بالمشيئة: وهو دأب كثير منا ممن يقعون في معصية الله ولا يسلكون طريق طاعة الله، فيقولون: إن هذه هي مشيئة الله وإرادة الله، ولو شاء الله أن يهدينا لهدانا، وكأن لسان حالهم يقول: لو كان ما نفعله ليس بصواب؛ لعصمنا الله من الوقوع فيه! وإلى أمثال هؤلاء.. نقول لهم: إن الكفار قد سبقوكم في الاحتجاج بمشيئة الله على ما هم عليه من الشرك والكفر، فقال الله عنهم في سورة الزخرف: ( وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ) (الزخرف:20) .

وقال -عز وجل- في سورة الأنعام: ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ) (الأنعام:148) . فهل قبل الله -عز وجل- منهم ذلك الاحتجاج وعذرهم به؟!

كلا والله.. بل حكم الله عليهم بالكذب فقال: ( كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ )، فاحذر أن تقع في ذلك الفخ الإبليسي؛ فإنه يحول بينك وبين سلوك طريق الهداية.

القنوط من رحمة الله:

فالبعض من كثرة ذنوبه ومعاصيه التي عكف عليها آناء الليل وأطراف النهار يظن أن الله -عز وجل- لا يمكن أن يغفر له، وأنه مهما فعل من الطاعات فإن ذلك لن ينفعه بشيء، ولن يمحو عنه ما وقع منه من الذنوب والمعاصي والمنكرات، ولاشك أن هذا من أبطل الباطل، بل هو سوء ظن بالله، وهو شك في قدرة الله -عز وجل-، فإن الله يقول في سورة الزمر: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ.. ) (الزمر:53) ، يعني: أسرفوا على أنفسهم بالذنوب والمعاصي والمنكرات ( لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )، حتى الكافر والمشرك إذا أسلم ونطق شهادة التوحيد؛ قَبِل الله منه توبته، وغفر الله له جميع ما وقع منه من الذنوب والمعاصي، وقال -عز وجل- في الحديث القدسي: ( يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِى وَرَجَوْتَنِى؛ غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِى، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِى؛ غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِى، يَا ابْنَ آدَمَ؛ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِى بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِى لاَ تُشْرِكُ بِى شَيْئًا؛ لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

تسويف التوبة:

وهي من أعظم العوائق التي تمنع من الهداية؛ خاصة في فئة الشباب، فكثير من الشباب يقع في المعصية بحجة أنه الآن صغير السن، وكما يقولون بلغة العصر يريد أن يعيش حياته، وأن العمر مازال أمامه طويلاً، وأنه لما يكبر ويتقدم به السن سوف يتوب إلى الله! فإلى هؤلاء نقول: وما أدراك ـ أخي الكريم ـ أنك سوف تعيش إلى أن تتمكن من التوبة، فإن الموت يأتي بغتة، وكم ممن نعرفهم من الشباب ماتوا وهم في عز شبابهم.

فيا أخي الحبيب.. كم أودعت في القبر بيديك من قريب.. بل كم ودعت وشيعت من أخ وحبيب.. فالموت يأتي بغتة، وقد تموت قبل أن تتوب، ثم تقول بعد أن تموت: ( يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) (الزمر:56) ، وقد يقال لك عند موتك: ( كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (المؤمنون:100) ، فبادر وسارع ـ أخي الكريم ـ بالتوبة إلى الله -عز وجل-.

اعتقاد أن النية الطيبة وحدها تكفي:

الصفحة السابقة الصفحة التالية