شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نعوذ بالله من سوء الخاتمة

رجب صابر • التزكية

قال السندي -رحمه الله-: "قوله: " وَمِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ ": الدَرَك ـ بفتحتين، وحكي سكون الثاني ـ: اللَّحاق، والشقاء ـ بالفتح والمد ـ: الشدة، أي: من لَحاق الشدة، وقال السيوطي: والمراد بالشقاء: سوء الخاتمة ـ نعوذ بالله منه ـ" السندي على النسائي .

"كم من وجوه خاشعة وقع على قصص أعمالها ( عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ . تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ) (الغاشية:3-4) ، كم مَن شارَفَ مركبُه ساحلَ النجاة فلما هَمَّ أن يرقى لعب به موج الهوى؛ فغرق، الخلق كلهم تحت هذا الخطر، قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، قال بعضهم: "ما العجب ممن هلَك كيف هلَك؟، إنما العجب ممن نجا كيف نجا؟" لطائف المعارف .

ها هو عبيد الله بن جحش أسلم ثم "مات نصرانيًّا بأرض الحبشة، وتزوج النبي -صلى الله عليه وسلم- امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان بعده" " الإصابة (7/4)، وانظر جلاء الأفهام (276،280) "، فهل من خائف؟! وهل من معتبر؟!

من أسباب سوء الخاتمة:

1- البدعة وفساد الاعتقاد:

قال الشاطبي -رحمه الله- في ذم المبتدع: "يبعد عن حوض رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويخاف عليه أن يكون معدودًا في الكفار الخارجين عن الملة وسوء الخاتمة عند الخروج من الدنيا" الاعتصام .

ثم بيَّن أسباب ذلك، ومما قال: "لأن المبتدع -مع كونه مصرًّا على ما نُهي عنه- يزيد على المصر بأنه معارض للشريعة بعقله، غير مسلم لها في تحصيل أمره، معتقدًا في المعصية أنها طاعة حيث حسَّن ما قبحه الشارع، ومن كان هكذا فحقيق بالقرب من سوء الخاتمة إلا ما شاء الله" الاعتصام.

فالمبتدع "إذا انكشف الغطاء عند الموت؛ بان له بطلان ما اعتقده، فظن أن جميع ما اعتقده لا أصل له، وكم ختم لكثير من البشر بهذا عندما ابتدعوا في دين الله -عز وجل-، وزاغوا وانحرفوا عن صراط الله المستقيم، وظهرت حقيقتهم في أول لقاء لهم مع رب العالمين -سبحانه-" التحذير من سوء الخاتمة . "وقلَّ أن يختم لمبتدع في دين الله -تعالى- بالإيمان" التحذير من سوء الخاتمة .

وقد قيل: "أكثر الناس شكًّا عند الموت أصحاب الكلام" "نقله شيخ الإسلام في "الفتوى الحموية الكبرى" (33) تحقيق هزاع" ، أي: المنشغلين بعلم الكلام من فلسفة ومنطق، وقد حذر منه السلف.

ومثال ذلك: ما ذكره شيخ الإسلام -رحمه الله- فقال: "ولهذا حدثونا ـ بإسناد متصل ـ عن فاضل زمانه في المنطق وهو الخونجي، صاحب "كشف أسرار المنطق" و"الموجز" وغيرهما أنه قال عند الموت: "أموت وما عرفت شيئًا إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى المؤثر. ثم قال: الافتقار وصف سلبي، فأنا أموت وما عرفت شيئًا!" مجموع الفتاوى .

وانظر إلى خبر ابن الفارض القائل بالاتحاد، وهو قول كفري يزعم أصحابه أن الله هو هذه المخلوقات "انظر "معجم ألفاظ العقيدة" (18-21)، و"المنة شرح اعتقاد أهل السنة" (30-33)، فيقولون: إن كل مخلوق هو الله ، -تعالى- الله عما يقولون علوًّا كبيرًا".

قال الذهبي -رحمه الله- عن ابن الفارض هذا: "ينعق بالاتحاد الصريح في شعره، وهذه بلية عظيمة، فتدبر نظمه ولا تستعجل، ولكنك حسن الظن بالصوفية، وما ثَمَّ إلا زي الصوفية وإشارات مجملة، وتحت الزي والعبارة فلسفة وأفاعي، فقد نصحتك، والله الموعد!" ميزان الاعتدال .

ابن الفارض هذا يجعل "عند الموت ينشد ويقول :

إن كان منزلتي في الحب عندكمُ ما قد لقِيتُ فقد ضيعـتُ أيامي

أمنـيةٌ ظـفـِرَتْ نـفـسي بها زمنًا واليومُ أحسِبُها أضغاثَ أحلام

فإنه كان يظن أنه هو الله، فلما حضرت ملائكة الله ـ لقبض روحه ـ؛ تبين له بطلان ما كان يظنه" الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان .

2- فساد الباطن:

قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: "وفي الصحيحين عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- التقى هو والمشركون، وفي أصحابه رجل لا يدع شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "هو من أهل النار" فقال رجل من القوم: أنا صاحبه، فاتبعه، فجرح الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه على الأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه، فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: أشهد أنك رسول الله، وقص عليه القصة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ـ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ ـ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ ـ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ ـ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) (رواه البخاري ومسلم) ، وفي موضع آخر: ( وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ ) (رواه البخاري) .

وقوله: ( فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ ) إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس، إما من جهة عمل سيء ونحو ذلك.. فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت" جامع العلوم والحكم .

3- المعاصي والذنوب:

"إذا أَلِف الإنسان المعصية ولم يتب منها؛ فإن الشيطان يستولي على تفكيره حتى في اللحظات الأخيرة من حياته، فإذا أراد أقرباؤه أن يلقنوه الشهادة ـ ليكون آخر كلامه لا إله إلا الله ـ؛ طغت هذه المعصية على تفكيره، فتكلم بما لا يفيد انشغاله بها، وختم له بالسوء -عياذًا بالله -تعالى- من ذلك" التحذير من سوء الخاتمة .

"كما قيل: المعاصي بريد الكفر، فيخاف على من أدامها وأصر عليها سوء الخاتمة" فتح الباري .

"أفلا يخشى الذين يتركون الصلاة تلو الصلاة، ثم يوعظون فلا يستجيبون، ألا يخشى هؤلاء أن يختم لهم بالسوء؟! ألا يخشى الذين يتعاملون بالربا ثم لا يتوبون، ولا يذَّكَّرون أن يتخطفهم الموت وهم على هذا الجرم العظيم، والذنب الكبير؟!" التحذير من سوء الخاتمة .

"قال عبد العزيز بن أبي رواد حضرت رجلا عند الموت يُلَقَّن: لا إله إلا الله. فقال في آخر ما قال: هو كافر بما تقول، ومات على ذلك قال: فسألت عنه فإذا هو مدمن خمر. فكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب، فإنها هي التي أوقعته" جامع العلوم والحكم .

الصفحة السابقة الصفحة التالية