حرب قديمة.. وصبر جميل
حسام الأشقر • المسلمون حول العالم
وكذلك استهزئ بأتباع الأنبياء من قبل واتُهموا بأنهم أراذل وكذابون، ومجرمون وضالون.. ! قال -تعالى- في قصة نوح -عليه السلام-: ( فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ) (هود:27) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ . وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ . وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ . وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ . وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ . فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ) (المطففين:29-34) .
وهذا يجعل كل مؤمن صادق في إيمانه إذا وجد الاستهزاء مِن أعداء الله ومِن الفجار والمنافقين والعصاة والكفار لا يصده ذلك عن التزامه بطاعة الله وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولا عن الاستمرار في دعوته إلى الله -عز وجل- مهما أتُهم بالتهم الباطلة أو استهزئ به وسخر منه، بل يستبشر أنه على طريق الأنبياء فهو إنما يُسَب ويُستهزئ به مِن أجل طاعته ودعوته لله -تبارك وتعالى-، وتلك شهادة مِن الله -عز وجل- له بأنه مِن أهل الإيمان: ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ.. ) (المطففين:29) ، وأنعم بها مِن شهادة!
وأعداء الدين إنما يقيمون تلك الحروب؛ لأن مِن شأنها توهين القوة المعنوية وإضعاف العزيمة، وتوليد الشعور باليأس، وكذا صد الناس عن الحق، ولكن نقول: إنما توهن وتضعف قوةَ وعزيمة الضعفاء ومَن لم يذُق حلاوةَ الإيمان أو مَن كانت غايته أرضية هينة، أما المؤمن الصادق الداعي إلى الله يعرف مهمته ويعرف أن طريق الدعوة ليست ممهدة، والدنيا لا تعدل عنده جناح بعوضة، فغايته تحصيل رضا الله -عز وجل- والدار الآخرة، وإيصال هذا النور لمن لا يعرفه، ومِن ثمَّ يبذل وسعه وطاقته في بيانِ الحق وبلاغِه للخلق رجاء هدايتهم، ويطرق كل باب شرعي لينشر ويمكّن لدين الله -عز وجل- وإقامة شرعه لقي في سبيل ذلك ما لقي، استجاب مَن استجاب أو أعرض من أعرض، فهو يعلم أن الهداية والتوفيق بيد الله وحده ( إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (القصص:56) ، ( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ ) (الشورى:48) ، وهو في ذلك ملبيًا قول الله -تبارك وتعالى-: ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (آل عمران:104) ، ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ . لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ) (الغاشية:21-22) .
ومِن ثمَّ استمر الأنبياء -والدعاة مِن بعدهم- في دعوتهم ينصحون للخلق ويرجون نجاتهم، لا يضرّهم مَن خالفَهم أو خذَلَهم، لا يمارون ولا يداهِنون، أجرهم محفوظ عند ربهم ومهمتهم القيام بالحق وبلاغه رجاء وعد الله بالتمكين لدينه ويهدي الله بعد ذلك مَن شاء ويقضي ما شاء لسان حالهم كما قال نبيُّ الله شُعَيْبُ -عليه السلام-: ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) (هود:88) .
والله -عز وجل- قضى أن العاقبة للمتقين، ووعد مَن نصر دينه بالنصر: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) (محمد:7) .
فإذا أحب الناس الخير وظهر صدقُ الإيمان، وظهر العمل الصالح فثمّ وعدٌ لا يُخلف بالنصر والتمكين: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (النور:55) .
وأما خير سبيل لدفع تلك الحروب الظالمة فثمَّ في كتاب الله علاج ناجع نافع؛ لمّا وصف -تعالى- غيظ وكيد أعداء الدين على أهل الإيمان أوصى المؤمنين بالصبر والتقوى، قال -تعالى-: ( إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) (آل عمران:120) .
فالصبر والتقوى سبيل دفع الشر، وسبيل النصر والتمكين والعاقبة المحمودة، قال -تعالى- على لسان يوسف -عليه السلام-: ( إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) (يوسف:90) ، فنقول كما قال يعقوب -عليه السلام-: ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) (يوسف:18) .
وفي البخاري عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّهَا قَالَتْ: "وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِنَفْسِهِ إِلا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا".
فأحرى في حق الداعية مِن باب الفضل والإحسان أن يُسامح ويصفح في حق نفسه، لكننا لا نسامح ولا نرضى عمّن يحارب ويعادي دين الله -تبارك وتعالى-، ويصدّ عنه تكبرًا وعنادًا -إلا أن يتوب إلى الله-، فهؤلاء نشكوهم إلى الله، ونحذر خطرهم في إفساد الأرض، وجلب الشر على البلاد والعباد ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الروم:41) .