شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

العلمانيون والشريعة المجهولة

أحمد الفيشاوي • مذاهب فكرية في الميزان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتتنوع عبارات "العلمانيين" المناوئين لأحكام الإسلام في التشغيب والتبرير لرفضهم لأحكامه التفصيلية، فتارة تكون عبارتهم صريحة في رفض الدين، أو رفض الإسلام نفسه، وتارة تكون عبارتهم مزخرفة يدارون بها عامة الناس، ويدلسون عليهم فيقولون: إنما نرفض الفهم الخاطئ للإسلام، أو الممارسات السيئة المتعنتة، وأنهم إنما يقبلون المبادئ العامة للإسلام وروح الشريعة، وهم يعنون بالمبادئ العامة -بمفهوم المخالفة-: رفضهم التقيد بالأحكام الشرعية التفصيلية، وربما صرح بعضهم بذلك، ولا يكتفي بالمفهوم، ولكن من هؤلاء من يتجمل ويحاول أن يفسر رفضه ذلك تفسيرًا إسلاميًّا.

ولعل هذا الصنف الأخير هو أخطرهم على الإطلاق، فإن المصرحون برفضهم أو عداوتهم للمشروع الإسلامي -سواء كان رفضًا كليًّا أو جزئيًّا في بعض جوانب الشريعة- قد بان للناس أنهم في الجانب المضاد للدين، وأكثر الناس إلى الآن -بفضل الله تعالى- لا يقبلون إلا أن تحكم فيهم شريعة الإسلام.

أما هؤلاء الذين يحاولون التلبيس على الناس بأن رفض الإسلام نابع مِن الإسلام نفسه فأكثر ما يدندنون حوله هو: ظنية النصوص، واحتمالها لأكثر من معنى، وأنه لا يكاد يوجد أحكام شرعية يقينية أو متفق عليها، ولذلك؛ فإنه يمكننا أن نفسر النصوص في ضوء ما نراه نحن مصلحة؛ لأنه -في الحقيقة -حسب زعمهم- لا يوجد نظرة شرعية محددة للمصلحة، بل ذلك متروك لكل مجتمع يحدد لنفسه مصالحه التي تبنى عليها تشريعاته،

وربما ردد هؤلاء قول حق يريدون به باطلاً، ألا وهو: قول بعض علماء الأصول: "حيثما وجدت المصلحة؛ فثم شرع الله"، وهو قول حق بمعنى: أن شرع الله إن طبق كما بيَّنه الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ تحققت مصالح الناس، وهو الذي يصرح به علماء الأصول في شرحهم لهذه الكلمة، لا بمعنى أن شرع الله: أن لا يكون هناك شرع لله، أو أن نحرف النصوص؛ لتتفق مع ما يراه بعض الناس مصلحة، فإن هذا تقويض للشرع باسم الشرع، واعتداء على الدين باسم الدين.

ودعوى ظنية النصوص وتحملها لأكثر من معنى، وحاجتها إلى التأويل أو التفويض دعوى قديمة، تذرع بها كثير مِن أعداء الكتاب والسنة؛ لتقرير باطلهم تارة في العقائد والأخبار، وتارة في الشرائع والأحكام، وإن كان الأشهر عند السابقين من هؤلاء معارضة العقائد والأخبار؛ فإن العلمانيين المعاصرين اختلسوا منهم قواعدهم وأصولهم؛ لمعارضة الشرائع والأحكام.

وهم كلهم -قديمهم وحديثهم- بنوا كلامهم على أصل فاسد، ألا وهو: أن آراءهم وأقوالهم التي اخترعوها أو تبنوها هي أقوال صحيحة محكمة بينة، وما عارضها من كلام الله ورسوله كلام مظنون مجمل محتمل، لا يستفاد منه علم ولا حقيقة، ولا بيان، أو كما يقول شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله- عنهم: "فيجعلون المتشابه مِن أقوالهم هو المحكم، وكلام الله ورسوله هو المتشابه، على خلاف طريقة أهل العلم والإيمان، الذين يجعلون كلام الله ورسوله هو الأصل المحكم البين الذي يعتمدون عليه، ويرجع الناس إليه عند التنازع والاختلاف" اهـ بتصرف .

فالشر إنما دخل على هؤلاء مِن وجهين:

أولهما: ظنهم أن الشريعة قد تخالف العقل الصريح، أو المصلحة المعتبرة.

ثانيهما -وهو كالمخرج لهم مِن الأولى في ظنهم- وهو: أن الشريعة دلالتها إما محتملة لمعانٍ كثيرة، والشارع لم يعيِّن لنا أحد تلك المعاني، وإنما أحالنا في فهم هذه النصوص إلى عقولنا وآرائنا، وما نراه نحن حق ومصلحة، وهم الذين يسميهم شيخ الإسلام بأهل التأويل، وإما أن الشارع لم يرد منا تجاه هذه النصوص سوى قراءتها والتبرك بها! ولم يرد منا أن نفهم منها شيئا؛ لأن معناها لا يعلمه أحد سوى الله، وهم الذين يسميهم شيخ الإسلام بأهل التفويض، وكلاهما يشترك في رمي النصوص بعدم البيان، فمعاني النصوص عندهم ملغزة مجهولة، لم يبينها الله ورسوله.

ولما كان شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- من أبرز من رد على هؤلاء في كتابه الفذ "درء تعارض العقل والنقل"؛ فننقل هنا طرفًا من أقواله في الرد عليهم بتصرف بما يناسب الرد على هؤلاء :

ماذا يفعل المؤمن إذا نازعه عقله بعض ما أمر أو أخبر به الرسول -صلى الله عليه وسلم-:

"إذا علم الإنسان بعقله أن هذا رسول الله، وعلم أنه أخبر أو أمر بشيء، ووجد في عقله ما ينازع خبره أو أمره؛ كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه، وأن لا يقدم رأيه على قوله، ويعلم أن عقله قاصر بالنسبة إليه، وأنه أعلم بالله وبدينه منه، وأن التفاوت الذي بينهما في العلم أعظم بكثير من التفاوت الذي بين العامة وأهل الطب.

فإذا كان العقل يوجب أن ينقاد للطبيب فيما يخبره من مقدرات الأغذية والأشربة و الأضمدة والمسهلات واستعمالها على وجه مخصوص، مع ما في ذلك من الكلفة والألم؛ لظنه أن هذا أعلم بهذا مني، وأني إذا صدقته واتبعته؛ كان ذلك أقرب لحصول الشفاء لي، مع العلم أن الطبيب يخطئ كثيرًا، وأن كثيرًا من الناس لا يشفى بما يصفه له الطبيب، بل قد يكون استعماله لما يصفه له سببًا لعطبه وهلاكه، ومع هذا فهو يقبل قوله ويقلده وإن كان ظنه واجتهاده يخالف ما وصفه له، فكيف بحال الخلق مع الرسل الذين لا يخطئون قط، وكلامهم وبيانهم من أصدق الكلام وأبينه؟!".

دعوى ظنية النصوص معارضة لنص القرآن الكريم:

الصفحة التالية