العلمانيون والشريعة المجهولة
أحمد الفيشاوي • مذاهب فكرية في الميزان
"قوله تعالى: ( أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً ) (الأنعام:114) يبين أن الحكم بين الناس هو الله -تعالى- بما أنزله من الكتاب المفصل، وقوله: ( مُفَصَّلاً ) يبين أن الكتاب الحاكم مفصل مبين، لا كما يزعمه من يعارضه برأيه وعقله، ويقول: إنه لا يفهم معناه، أو لا يدل على مواقع النزاع، فيجعله إما مجملاً لا ظاهر له، وإما مؤولاً لا يعلم عين معناه، ولهذا كان المعرضون عن النصوص المعارضون لها كالمتفقين على أنه لا يعلم عين المراد من النصوص، وإنما غايتهم أن يذكروا احتمالات كثيرة دون جزم بأحد تلك المعاني، ولهذا أمسك بعضهم عن التأويل وفوض المعنى، وزعم أنها لا تدل على شيء، وأنه لا يعرف المراد منها، فعلى التقديرين لا يكون عندهم الكتاب الحاكم مفصلاً به، بل مجملاً ملتبسًا، أو مؤولاً تأويلاً لا دليل عليه".
التأويل والتفويض فيهما تعطيل للنصوص، وتحريف لدلالتها:
"غاية ما ينتهي إليه المعارضون لكلام الله ورسوله بآرائهم من المشهورين بانتسابهم إلى الإسلام هو: التفويض أو التأويل، وكلاهما فيه إبطال للشرع،
أما التفويض فمعلوم أن الله -تعالى- أمرنا أن نتدبر القرآن، وحضنا على عقله وفهمه قال تعالى ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ) (النساء:82) ، ونحو ذلك في القرآن كثير، فكيف يجوز -مع ذلك- أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟!
وأيضًا إذا كان الشرع دال على نقيض ما يسمونه: معقولاً؛ فتفويضه: إعراض عن دلالته، وتعطيل لها، وذلك إبطال للشرع، والمقدم لما يسميه معقولاً؛ لا بد أن يقول أن الشرع له دلالة تخالف العقل؛ وإلا لو لم يكن للشرع دلالة مطلقًا، فلا معارضة حينئذ".
"أما التأويل فلا يقبل منه إلا ما دل على مراد المتكلم، والتأويلات التي يذكرونها لا يعلم أن الرسول أرادها، بل يعلم بالاضطرار في عامة النصوص أن المراد منها نقيض ما يقوله هؤلاء، وحينئذ؛ فالمتأول إن لم يكن مقصوده معرفة مراد المتكلم؛ كان تأويله للألفاظ بما يمكن أن تحتمله اللغة من باب التحريف والإلحاد، لا من باب التفسير وبيان المراد، فكيف بما لا تحتمله لغة المتكلم أصلاً؟!".
دعوى ظنية النصوص وحاجتها للتأويل أو التفويض تتضمن تنقص الله -تعالى- ورسوله -صلى الله عليه وسلم-:
"أخبر الله -تعالى- أنه أرسل رسوله بالهدى والبيان؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، كما في قوله -تعالى-: ( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (المائدة:15-16) ، وقال -تعالى-: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (النحل: 89) ، وقال -تعالى-: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ) (التوبة:33) ، ونحو ذلك في القرآن كثير.
وإذا كان الأمر كذلك؛ فيقال: أمر الشريعة وما يحتاجه الناس من الأحكام إما أن يكون الرسول تكلم فيه بما يدل على الحق، أو تكلم بما يدل على الباطل، أو لم يتكلم فيه بما يدل على حق ولا باطل.
وإذا قدر أن شخصًا لم يتكلم في هذه الأمور بحق ولا بباطل، ولا هدى، ولا ضلال، بل سكت عن ذلك لم يكن قد هدى الناس، ولا أخرجهم من الظلمات إلى النور، ولا بيَّن لهم ما يحتاجون إليه، ولا كان معه ما يستضيء به السالك المستدل، فكيف لو تكلم هذا الشخص بما يفهم منه خلاف الحق، وكان مدلول كلامه معلوم الفساد بالعقل؟!، فإن هذا الشخص يكون شرًّا من الساكت؛ إذ كان أضل بكلامه وما هدى، وكان مخرجًا لمن اتبعه من النور إلى الظلمات، وهذا هو حال الطاغوت، لا حال الرسول، كما قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ) (البقرة:257) .
"ومن وصف الأمر على خلاف حقيقته؛ فإما أن يكون قد أصيب من جهة علمه أو قصده أو قدرته، فإنه قد يكون جاهلاً بالحق، وقد يكون عالمًا ولكن ليس مراده تعليم المخاطبين وهداهم، بل قد يكون يقصد إضلالهم كما هو حال أهل الكيد والخداع والنفاق، وقد يكون علمه تامًّا، وقصده البيان، لكنه يعجز عن البيان والإفصاح، فإذا كان المتكلم عالمًا بالحق، قاصدًا هدى الخلق، قادرًا على ذلك؛ وجب وجود مطلوبه.
ومحمد -صلى الله عليه وسلم- كان أعلم الخلق بالله ودينه وشرعه، وهو أحرص الناس على تعليم الناس وهدايتهم، كما قال -تعالى-: ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (التوبة: 128) ، وأمره ربه -تعالى- بالبلاغ المبين، فقال: ( وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) (النور: 54) ، ونحو ذلك كثير في القرآن.
وكان -صلى الله عليه وسلم- من أفصح الناس وأحسنهم بيانًا كما قال -تعالى- عنه: ( إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) (الأعراف:184) ، وقال: ( بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ) (الزخرف:29) ، ونحو ذلك في القرآن كثير.
واللغة التي خاطب الناس بها هي من أتم اللغات بيانًا، وقد امتن الله عليه بذلك، فقال: ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ . بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) (الشعراء: 193-195) ، فكيف يكون مع هذا لم يبين الحق، بل بينه من قامت الأدلة الكثيرة على جهله، ونقص علمه وعقله؟!