الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان (3-3)
عصام حسنين • قضايا معاصرة
المقام الثالث: في الجواب مفصلاً
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد عرضنا فيما مضى لمحاولات أعداء الإسلام وطرقهم في دعواتهم الآثمة إلى زمالة الأديان أو وحدتها، والآن نقيم الأدلة مفصلة على هذه الخلاصة الحكمية، وهي تتجلى بإقامة الأصول والمسلَّمات العقدية الآتية:
الأصل العام: دين الأنبياء واحد، وشرائعهم متعددة، والكل مِن عند الله -تعالى-:
فنعتقد أن أصل الدين واحد، بعث الله به جميع الأنبياء والمرسلين، واتفقت دعوتهم إليه، وهو الدين الجامع الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه، وهذا الدين هو دين العالم بأسره مِن آدم -عليه السلام- إلى آخر نفس منفوسة مِن هذه الأمة.
وأما شرائعهم فمتعددة متفرعة مِن هذا الأصل، وهذا هو المقصود مِن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ ) (متفق عليه) ، وهو المقصود مِن قول الله -تعالى-: ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ) (الشورى:13) .
- والدين بهذا الاعتبار هو "دين الإسلام" بمعناه العام، وهو: إسلام الوجه لله، وطاعته، وعبادته وحده، والبراءة مِن الشرك، والإيمان بالنبوات، والمبدأ والمعاد.
- ودين الإسلام بهذا الاعتبار هو دين الأنبياء والمرسلين وملتهم، قال الله -تعالى-: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) (النحل:36) ، وقال -سبحانه-: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) (الأنبياء:25) .
- وإنما خص الله -سبحانه وتعالى- نبيه إبراهيم -عليه السلام- بأن "دين الإسلام" بهذا الاعتبار العام هو ملته، في مثل قوله -تعالى-: ( قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (آل عمران:95) ؛ لوجوه:
أولاً: أنه -عليه السلام- واجه في تحقيق التوحيد، وتحطيم الشرك، ونصر الله له بذلك ما قصَّ الله خبره أمرًا عظيمًا.
لا تلتفت إلى غلط الغالطين، ولا إلى مَن خدعتهم دعوة إخوان الشياطين، ولا إلى المأجورين، ولا إلى أفراد من الفرق الضالة من المنتسبين إلى الإسلام للمناصرة والترويج لهذه النظرية
ثانيًا: أن الله جعل في ذريته النبوة والكتاب.
ثالثًا: لإبطال مزاعم اليهود والنصارى في دعواهم أنهم على ملة إبراهيم -عليه السلام-، قال -تعالى-: ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (آل عمران:67) .
ثم بيَّن الله -تعالى- أن أولى الناس بإبراهيم هم الذين على ملته وسنته، فقال: ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (آل عمران:68) .
وهكذا في كثير من الآيات يُنبِّه -تعالى- على أن هذا القرآن ما أُنزل إلا ليجدد دين إبراهيم -عليه السلام-، حتى دعاهم بالتسمية التي يكرهها اليهود والنصارى: "ملة إبراهيم"، ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ) (الحج:78) .
- والإسلام بهذا المعنى يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي مِن أنبياء الله الذي بُعث فيهم، فيكونون مسلمين، حنفاء على ملة إبراهيم بعبادتهم لله وحده، واتباعهم لشريعة مَن بعثه الله فيهم، فأهل التوراة قبل النسخ والتبديل مسلمون حنفاء على ملة إبراهيم، فهم على دين الإسلام، ثم لما بعث الله نبيه عيسى -عليه السلام-، فإن مَنْ آمن مِن أهل التوراة بعيسى واتبعه فيما جاء به فهو مسلم حنيف على ملة إبراهيم، ومَن كذّب منهم بعيسى -عليه السلام-؛ فهو كافر لا يوصف بالإسلام.
ثم لما بعث الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وهو خاتمهم وشريعته خامة الشرائع، ورسالته خاتمة الرسالات، وهي عامة لأهل الأرض؛ وجب على أهل الكتابين وغيرهم اتباع شريعته، وما بعثه الله به لا غير، فمن لم يتبعه؛ فهو كافر لا يُوصف بالإسلام، ولا أنه حنيف، ولا أنه على ملة إبراهيم، ولا ينفعه ما يتمسك به من يهودية أو نصرانية، ولا يقبله الله منه، فبقي اسم "الإسلام" عند الإطلاق منذ بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- حتى يرث الله الأرض ومَن عليها- مختصًا بمن يتبعه لا غير، وهذا هو معناه الخاص الذي لا يجوز إطلاقه على دين سواه.
- يجب على كل مسلم يؤمن بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًّا ورسولاً، أن يدين الله -تعالى- ببُغض الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم.. ومعاداتهم في الله -تعالى-، وعدم محبتهم ومودتهم وموالاتهم وتوليهم، حتى يؤمنوا بالله وحده ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًا ورسولاً، قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (المائدة:51) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
- يجب على كل مسلم اعتقاد كفر مَن لم يدخل في هذا الإسلام مِن اليهود والنصارى وغيرهم، وتسميته كافرًا، وأنه عدو لنا، وأنه من أهل النار، يقول الله -تعالى-: ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (الأعراف:158) .