شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نصيحة مهمة في ثلاث قضايا

عصام حسنين • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهذه نصيحة مهمة في ثلاث قضايا يجب استصحابها في مسيرتنا الدعوية وبخاصة هذه الآونة التي تشهد انطلاقة مباركة للدعوة السلفية وصلت إلى كل رقعة آهلة من مصرنا الحبيبة -حفظها الله بالإسلام-، والحمد لله مظهر دينه، ومعز أوليائه.

وتشهد أيضًا- حربًا ضروسًا من خصوم الدعوة الذين هم خصوم الإسلام في الحقيقة؛ لأن الدعوة السلفية دعوة إلى العمل بالإسلام النقي الذي بُعث به محمد -صلى الله عليه وسلم-، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في آخر عقيدته التي كتبها إلى أهل "واسط":

"وكل ما يقولونه أو يفعلونه من هذا أو غيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة، وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمدا -صلى الله عليه و سلم-، لكن لما أخبر النبي -صلى الله عليه و سلم- أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وفي حديث عنه أنه قال: ( مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي )، صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، أولوا المناقب المأثورة، والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال (1) ، وفيهم أئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم- : ( لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ مَنْصُورَةٌ لاَ يَضُرُهُمْ مِنْ خَالَفَهُمْ وَلاَ مَنْ خَذلَهُمْ حَتَّى تَقُومُ السَّاعَةُ )، فنسأل الله أن يجعلنا منهم..." ا.هـ.

وهذا الصراع سنة الله -تعالى- تكون ما شاء الله أن تكون، ثم يجعل الله العاقبة الحميدة لعباده المتقين، قال -تعالىت: ( وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ) (محمد:4) ، وقال -تعالى-: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ) (الأنبياء: 105-106) ، لكن لهذه العاقبة شرائطها وأسبابها من الاستقامة على التوحيد والأمر والنهي، والصبر على ذلك، والصبر على أقدار الله المؤلمة، والبذل والتضحية في سبيل الله -تعالى-، والثقة واليقين والتوكل على الله -تعالى-.

قال -تعالى-: ( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) (الأعراف:128-129) .

وقد فعل -سبحانه وتعالى- ومكَّن لدينه ولعباده المؤمنين المستضعفين، وجعلهم خلائف؛ لينظر ماذا يعملون؟ قال -سبحانه وتعالى-: ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) (الأعراف:137) .

ونحن في مسيرتنا الدعوية المباركة -الآن- نحتاج أشد مما سبق إلى التذكير بكثير من القضايا المهمة، منها:

أولاً: التبين والتثبت:

ومن أحكامه:

1- عدم قبول أخبار الفساق والكذابين إلا بعد التبين، قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (الحجرات:6) .

قال ابن زيد ومقاتل وسهل بن عبد الله: الفاسق: الكذاب.

وقال أبو الحسن الوراق: المعلن بالذنب.

وقال ابن طاهر: الذي لا يستحي من الله.

ذكر غير واحد من السلف أنها نزلت في الوليد بن عقبة -رضي الله عنه- حين بعثه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على صدقات بني المصطلق، وقد روي ذلك من طرق، ومن أحسنها: ما رواه الإمام أحمد في "مسنده" من رواية الحارث بن ضرار ملك بني المصطلق.

وهناك رواية مرسلة عن مجاهد وقتادة أذكرها؛ لتعلقها بسبب المقالة:

عن قتادة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث الوليد بن عقبة مُصَّدِّقًا (2) إلى بني المصطلق، فلما أبصروه؛ أقبلوا نحوه، فهابهم -وفي رواية: لإحنة (3) كانت بينه وبينهم-، فرجع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبره أنهم ارتدوا عن الإسلام. فبعث نبي الله -صلى الله عليه وسلم- خالد بن الوليد، وأمره أن يتثبت ولا يَعْجَل، فانطلق خالد حتى أتاهم ليلاً، فبعث عُيونه، فلما جاءوا؛ أخبروا خالدًا أنهم متمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا؛ أتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه، فعاد إلى نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبره، فنزلت هذه الآية، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( التَّأَنِّي مِن الله والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ ).

وعليه؛ فمعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم كاذب أو معلن بالذنب بخبر فتثبتوا؛ لئلا تصيبوا قومًا بخطأ؛ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين بسبب العجلة وترك التأني.

قال القرطبي: "وفي الآية دليل على قبول إذا كان عدلًا؛ لأنه أمر فيها بالتثبت عند نقل خبر الفاسق، ومن ثبت فسقه؛ بطل قوله في الأخبار إجماعًا؛ لأن الخبر أمانة، والفسق قرينة يُبطلها..." راجع تفسير ابن كثير والقرطبي .

فهذا هو منهج أحدنا عند تلقي الأخبار: التأني والتريث والتثبت!!!

2- أخذ الخبر من مصدره الأصلي -إن أمكن-:

وإلا فمن أهل المكان الثِّقات، وتعضيد الشاهد بآخر؛ لأنه ربما يخطئ الواحد أو يقل ضبطه، وكم من حادثة مرت بي ومن ثقة أمين إلا أنه لم يضبط، فعلمتني ما ذكرته هنا وأؤكد عليه، ولا ينافي ذلك قبول خبر الواحد العدل، وإنما هو مزيد توثيق؛ لتغيرُّ الزمان خاصة الأخبار الخطيرة المتعلق بمآل الدعوة.

فلقد كان القاضي أبو يوسف -رحمه الله- يطلب تزكية الشهود لتغير الزمان، وضعف الديانة، وتفشَّي الكذب.

الصفحة التالية