شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نصيحة مهمة في ثلاث قضايا

عصام حسنين • قضايا معاصرة

"وكان عمر ن عبد العزيز يقضي في المدينة بشاهد واحد ويمين، فلما صار إلى الشام؛ لم يقبل إلا شاهدين لما رآه من تغيرُّ عما عرفه من أهل المدينة". انظر: "إعلام الموقعين" لابن القيم (3/85).

ثم رد الخبر إلى أهل العلم والخبرة، وهذه هي:

القضية الثانية: قضية المرجعية!

قال -تعالى-: ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ) (النساء:83) .

هذه الآية الكريمة أصل في قضية المرجعية، وأنه لا بد للناس من مرجع يرجعون إليه، قال ابن كثير -رحمه الله-: "ينكر -تعالى- على من يبادر إلى إشاعة الأمور قبل تحققها، فيُخبر بها، ويُفشيها، وينشرها، وقد لا يكون لها أصل من الصحة، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك: ( نهى عن قيل وقال ) (متفق عليه) .

أي: كثرة الحديث عما يقوله الناس دون تثبت أو تدبر أو تبين، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ) (رواه مسلم) .

وقال: ( بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ: زَعَمُوا ) (رواه أبو داود) .

وقد جاء في الحديث المتفق على صحته أن عمر -رضي الله عنه- لما بلغه خبر تطليق النبي -صلى الله عليه وسلم- نساءه؛ جاء من منزله حتى دخل المسجد، فوجد الناس يقولون ذلك، فلم يصبر حتى استأذن على النبي -صلى الله عليه وسلم- فاستفهمه: أطلقت نساءك؟! فقال: ( لا َ)، قال: فقلت: الله أكبر.

وعند "مسلم": "فقلت: أطلقتهن؟ قال: ( لاَ )، فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نساءه، ونزلت هذه الآية: ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ )، فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر".

ومعني: ( يَسْتَنْبِطُونَهُ ) أي: يستخرجونه من معادنه (4) " اهـ. بتصرف من تفسير ابن كثير .

ونبهت خاتمة الآية على أن الخروج عن هذه المرجعية له آثاره السيئة، فقال -تعالى-: ( وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ) أي: ولولا فضل الله عليكم ورحمته -أيها المؤمنون- بهذا التوجيه العظيم؛ لكان هناك خروج واتباع للشيطان -والعياذ بالله تعالى-.

وفي حديث حذيفة -رضي الله عنه- قال: "كان الناس يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني..." وفيه: قال حذيفة: "وهل بعد ذلك الخير من شر؟!" قال: ( نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا؛ قَذَفُوهُ فِيهَا ) قلت: صفهم لنا، قال: ( هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا )، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟، قال: ( تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ ) (متفق عليه) .

وجماعة المسلمين الذين أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بلزومهم هم: أهل العلم المستمسكون بما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته -رضي الله عنهم-.

سئل إسحاق بن راهويه -رحمه الله- عن الجماعة، فقال: "عالم متمسك بأثر النبي -صلى الله عليه وسلم- وطريقه، فمن كان معه وتبعه؛ فهو الجماعة"، ثم قال: "لم أسمع عالمًا منذ خمسين سنة كان أشد تمسكًا بأثر النبي -صلى الله عليه وسلم- من محمد بن أسلم".

وسئل ابن المبارك عن الجماعة الذين ينبغي أن يقتدى بهم؛ قال: "أبو بكر وعمر" فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين بن واقد، قيل: من الأحياء؟ قال: "أبو حمزة السكري".

وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك". راجع "الاعتصام" للشاطبي -رحمه الله-.

ومن فوائد المرجعية: اجتماع الكلمة، وتأمين الدعوة، والمآل الحميد، وهذه هي:

القضية الثالثة: قضية المآل:

أي: فقه ما تؤول إليه الأمور، قال الشاطبي -رحمه الله-: "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، مشروعًا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك...".

وهي قاعدة متفق عليها بين العلماء، قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "وهي قاعدة متفق عليها بين العلماء، فافهموها وادخروها".

"وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق محمود الغب، جارٍ على مقاصد الشريعة" راجع "الموافقات" (4/432) .

لذلك؛ فهو يحتاج إلى دقة نظر، وعمق بحث فيما يستجد أو ينزل من الأمور سواء الأقوال أو الأفعال، فإن كانت نتائجها تتفق مع مقصد الشارع من تشريعها؛ أمر بها، وإن كانت لا تتفق؛ منعها ابتداء؛ لأن الدفع أسهل من الرفع.

وضوابط هذا النظر:

1- ترجُّح حصول المآل سواء أكان مصلحة أم مفسدة، وذلك بغلبة الظن على أقل تقدير.

2- أن يكون النظر على وفق مقاصد الشريعة.

3- أن يكون المآل المتوقع منضبطًا في علته وحكمه.

ومثالاً من كتاب الله -تعالى-: قوله -عز وجل-: ( وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ) (الأنعام:108) .

حيث نهى الله -تعالى- عن سب معبودات المشركين مع أن فيه مصلحة، وهي تخذيل المشركين، وتوهين أمر الشرك، لكن لما وُجد له مآل آخرٍ مراعاتُه أرجح، وهو: سبهم الله -تعالى- وملء ما في السماوات والأرض سبًّا في الأوثان لا يزن انحرافهم بكلمة واحدة في شأن الرب -سبحانه- نهى عن هذا العمل المؤدي إليه مع كونه سببًا في مصلحة، ومأذونًا فيه؛ لولا هذا المآل".

الصفحة السابقة الصفحة التالية