أصول الحوار وآدابه عند السلف
حنفي مصطفى • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالحوار وسيلة مهمة من وسائل الدعوة إلى الله -تعالى- وبقدر ما يكون الداعية متمكنًا مِن فن الحوار، محيطًا بجوانبه، بقدر ما يكون أقدر على النجاح في دعوته وإيصال الحق إلى الخلق، ولقد كان سلفنا الصالح يعنون بأصول الحوار وآدابه عناية خاصة؛ لما للحوار مِن الأثر البالغ في إقامة الحجة، والدعوة إلى الله -تعالى-.
فالعلم بأصول الحوار وآدابه، والإحاطة بتفاصيله والتسلح بالحجج والبراهين، سلاح ماض بيد المحاور الناجح، إذ يُمكِّنه مِن الوقوف على أرض ثابتة وليس على رمال متحركة، فالمستيقن مِن الحق الذي معه تراه مطمئن الخاطر آمنا على مذهبه مِن صولة الباطل، فينطق عن أناة وتخيُّر للأقوال الصائبة، والعرب تقول: "قبل الرمي يراش السهم"، أي: هيئ الأمر وأعده قبل حاجتك إليه.
أما مَن لم يكن على بصيرة مِن رأيه فإنه ينزعج عند الحوار ويطيش به الجدل؛ حتى يقذف بالسباب، ويلفظ بالكلام الذي لا قيد له ولا زمام مِن قبل أن يقيم له وزنًا، فرأينا هذه الأيام على القنوات الفضائية مِن الحوارات التي سمعناها ورأيناها ما يحزن ويصيب المسلم بالكرب والغم، والفزع والخوف على المسلمين مِن الجدال العقيم، وعدم التقيد بأدب الحوار وأصوله ما يؤدي إلى عدم بيان الحق وإيصاله للخلق، وصولة الباطل والبدعة، وتكلم مَن لا علم له ولا حجة ولا برهان؛ إلا برفع الأصوات ومقاطعة المتكلم، وعدم تحديد الهدف والغاية، وعدم ضبط الحوار بأصول ثابتة يُرجع إليها ويؤسس عليها الحوار، فوجدنا مَن لم يعرف أصول الحوار وآدابه، ومَن يتكلم في غير فنه، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما أخبر عن علامة من علامات الساعة وهي ضياع الأمانة، فقال: ( إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ ) (رواه البخاري) .
فالحوار هو مراجعة الكلام وتداوله بيْن طرفين، والأخذ والرد فيه، وقد ورد لفظ الحوار في القرآن الكريم؛ فمن ذلك قوله -تعالى-: ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) (المجادلة:1) .
ومِن المصطلحات القريبة من معنى الحوار:
1- المجادلة: ومعناها في الاصطلاح: دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة أو يقصد به تصحيح كلامه، ويكون بحق أو باطل.
2- المناظرة: وهي النظر والتبصر مِن الجانبين في النسبة بيْن الشيئين إظهارًا للصواب.
3- المراء: يطلق ويُراد به الجدال إلا أنه غلب استعماله في اصطلاح الأئمة على الجدال المذموم، فاستعمله بعض أهل العلم على الجدال بالباطل وعن الباطل.
4- المحاجة: يطلق على التخاصم والجدال.
5- الخصومة: وهي لجاج الكلام ليستوفى به مقصوده مِن مال أو غيره، وتارة تكون ابتداءً، وتارة تكون اعتراضًا، والمراء لا يكون إلا اعتراضًا.
وقد عنى القرآن الكريم والسنة النبوية عناية بالغة بالحوار، وذلك أمر لا غرابة فيه أبدًا، فالحوار هو الطريق الأمثل للإقناع، ولقد كان السلف الصالح على نهج القرآن والسنة في تطبيق هذا الأسلوب الدعوي في البلاغ للفهم الصحيح للكتاب والسنة، فهم خير الأمة عملاً به وتطبيقًا له، وضبطًا لأصوله وآدابه، فرحمهم الله -تعالى-.
وهناك أمثلة كثيرة في السنة النبوية في دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- وحواراته مع الوفود والأفراد في الدعوة إلى الله -تعالى- ما يقتدي به كل داعية في دعوته وحواراته مع الآخرين، فمثلاً قوله -تعالى-: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. ) (النحل:125) .
وسنذكر مِن أصول الحور وآدابه ما فيه النفع والخير لكل داعية إلى الله -تعالى- بما ينتفع بها في دعوته وسيره إلى ربه -عز وجل- في نصرة دينه:
أولاً: التجرد في الحوار "إخلاص النية": فالإخلاص مِن أعظم الأصول المهمة، ومن أهم أعمال القلوب، والتوفيق في الحوار لنصرة الحق منوط بإخلاص العبد في نيته لربه -تعالى-.
قال ابن القيم -رحمه الله-: "أعمال القلوب هي الأصل، وأعمال الجوارح تبع ومكملة، وإن النية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح مات، فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح".
وقال الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى-: "وليكن قصده في مناظرته إيضاح الحق وتثبيته دون المغالبة للخصم".
وقال الشافعي -رحمه الله تعالى-: "ما كلمتُ أحدًا قط إلا وأحببت أن يُوفق ويسدد ويعان، وما كلمت أحدًا قط إلا ولم أبال بيَّن الله الحق على لساني أو لسانه".
وقال أبو حامد الغزالي -رحمه الله-: "فانظر إلى مناظري زمانك اليوم، كيف يسودُّ وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه، وكيف يخجل به وكيف يجهد في مجاهدته وكيف يذم مَن أفحمه طول عمره".
هذا في زمان الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى-؛ فكيف اليوم أمام بريق الشهرة والظهور في القنوات الفضائية أمام الملايين مِن الناس، فيصبح هم المحاور الانتصار لنفسه ومغالبة خصمه، ولو على حساب الحق، والانتصار لرأي باطل شاذ ضعيف؟!
أما أصحاب النفوس العالية السامية كأئمة السلف الصالح لا يبالي بيَّن الله الحق على لسانه أو لسان خصمه؛ فالانتصار للحق وإيضاحه للناس هو غايته وهدفه، يبتغي بذلك وجه الله -تعالى- نصرة للدين وإحقاقًا للحق، والرجوع إليه والتواضع لقبوله ممن جاء به، فيحمد الله -تعالى- على هدايته للحق واتباعه والعمل به والدعوة إليه، فهذا هو هدي السلف الصالح وغايتهم وهدفهم؛ فكونوا عباد الله على طريقهم وهديهم، وسمتهم تفلحوا.
ثانيًا: "العلم": فلابد مِن التأهيل العلمي للمحاور، إذ أن الجاهل بالشيء ليس كفوًا للعالم به، والعلم المقصود يقتضي أمرين متلازمين:
1- العلم بشرع الله المطهر؛ كتابًا وسنة، وأوله العلم بالله -تعالى- وما يجب اعتقاده في أسمائه وصفاته وأفعاله، وكذلك العلم بأركان الإيمان والعلم بالتكاليف الشرعية العملية ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه، وذلك على منهج السلف قولاً وعملاً، وفهمًا واعتقادًا.