أصول الحوار وآدابه عند السلف
حنفي مصطفى • مع الدعاة
قال ابن تيمية -رحمه الله-: "فالصحابة كانوا أعلم الناس بأصول الدين، فإنهم تلقوه عن أعلم الخلق بالله على الإطلاق، وكانوا إذا استشكلوا شيئًا سألوه عنه، وكان يجيبهم بما يزيل الإشكال، ويبين الصواب فهم العارفون بأصول الدين حقًا، لا أهل البدع والأهواء مِن المتكلمين ومَن سلك سبيلهم".
2- العلم بالواقع حتى يتمكن من تطبيق نصوص الشرع على الواقع المناسب، ولا يضع الأدلة في غير موضعها، ولابد أن يكون عالمًا باصطلاحات المحاور، وأدلته، والوقوف على مصادره، ومعرفة الشبهات والرد عليها، حتى يكون أشبه بالطبيب الذي يعلم تفاصيل المرض أكثر مِن المريض، فيحصل بجواره شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، وذهاب العلة التي هي الشبهة، وحصول المقصود والغاية من المحاورة وهو الرجوع إلى الحق وإيضاحه.
ثالثًا: "الرجوع إلى النص لدرء النزاع": فلابد مِن تحديد أصول يرجع إليها عند الاختلاف والتنازع، وبذلك ينضبط الحوار ويتحدد مساره، قال الله -تعالى-: ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (النساء:59) .
قال ابن تيمية -رحمه الله-: "فإذا تنازع المسلمون في مسألة وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، فأي القولين دل عليه الكتاب والسنة وجب اتباعه".
وقال أيضًا: "وهذا لأن الناس لم يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل مِن السماء، وإذا ردوا لعقولهم فلكل واحد منهم عقل".
فلابد مِن الرجوع إلى الوحيين الشريفين عند التنازع على ضوء فهم سلفنا الصالح؛ لأنهم أعلم بمواقع التنزيل، ولأنهم أهل الفصاحة والبيان، ودلت نصوص الكتاب والسنة على فضلهم وعلو قدرهم وهم خير الناس علمًا وعملاً، وهم الصحابة والتابعون وأتباع التابعين -رضي الله عنهم أجمعين-.
وإذا كان الطرف المحاوَر غير مسلم أو ممن يرد النصوص؛ فالحجة التي تضمنتها النصوص حجة عقلية دامغة؛ فليجتهد المحاور المسلم في تبيينها وتوضيحها، فإنها في الحقيقة الحجة البالغة التي لا يمكن ردها.
رابعًا: "حسن الفهم": فلابد مِن فهم حجج الطرف الآخر وأدلته وأقواله، ومراده مِن الألفاظ والمصطلحات المستعملة.
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "ولما كان المقصود بالخطاب دلالة السامع وإفهامه مراد المتكلم مِن كلامه، وأن يبين له ما في نفسه مِن المعاني، وأن يدله على ذلك بأقرب الطرق، وكان موقوفًا على أمرين:
الأول: بيان المتكلم وتمكن السامع مِن الفهم فإن لم يحصل البيان مِن المتكلم أو حصل ولم يتمكن السامع مِن الفهم لم يحصل مراد المتكلم.
الثاني: فإذا بيَّن المتكلم مراده بالألفاظ الدالة على مراده، ولم يعلم السامع معاني تلك الألفاظ لم يحصل البيان، فلابد مِن تمكن السامع مِن الفهم وحصول الإفهام مِن المتكلم.
فالحوار بدون فهم لمعاني ألفاظ المتكلم ومصطلحاته يجعل المرء يُحمِّل المسائل ما لا تحتمل أو تفهم الألفاظ على غير وجهها، فيطول الحوار وتتشعب المسائل ويستمر الخلاف.
خامسًا: الأمانة والتوثيق؛ فلابد أن تكون الأقوال مدعمة بالشواهد والأدلة وأقوال العلماء الذين تطمئن النفوس والقلوب إلى علمهم وفهمهم للنصوص فهمًا صحيحًا سديدًا، ويستشهد بآرائهم وأقوالهم كالسلف الصالح -رضي الله عنهم- وأئمة أهل السنة والجماعة ممن لا خلاف على علمهم وفهمهم.
قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "والمجادلة المحمودة إنما هي بإبداء المدارك وإظهار الحجج التي هي مستند الأقوال والأعمال، وأما إظهار الاعتماد على ما ليس هو المعتمد في القول والعمل؛ فنوع من النفاق في العلم والجدل، والكلام والعمل".
ولابد كذلك مِن الأمانة العلمية في العرض والتوثيق، ونسبة الأقوال والآراء إلى قائليها والرجوع إلى مصادرها الأصلية.
سادسًا: "حسن الاستماع": فمن أدب المروءة والحوار حسن إصغاء الرجل لمن يحدثه مِن الناس؛ لما في ذلك مِن حسن الخلق واحترام الآخرين، وعدم إثارة غضبه وحسده وحقده عليه، وعدم قبول قوله ورده.
قال الحسن البصري -رحمه الله-: "إذا جالست فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام، ولا تقطع على أحد حديثه حتى يسكت".
فعلى السامع أن يحسن الاستماع لمحاوره حتى يستكمل حججه وبراهينه وإن كان ما يسمعه منه شبه الوسواس، فإن كان فيه حق استخلص ثم يستفيد منه، وإن كان فيه خطأ استخرج جذوره ودافعه، والشبهات التي أدت إليه.
قال الخطيب البغدادي -رحمه الله-: "وليتق المناظر مداخلة خصمه في كلامه وتقطيعه عليه، وإظهار التعجب منه، وليمكنه مِن إيراد حجته، فإنما يفعل ذلك المبطلون، والضعفاء الذين لا يحصِّلون".
وقال إمام الحرمين الجويني في آداب المجادل: "وعليهما جميعًا أن يصبر كل واحد منهما لصاحبه في نوبته، وإن كان ما يسمعه منه شبه الوسواس؛ لأنهما متساويان في حق المناوبة، ومَن لم يصبر منهما لصاحبه فقد قطع عليه حقه، ومتى لم يصبر عليه خصمه، بل داخله بالاعتراض أو الجواب في نوبته احتمله ووعظه فأن أصر عليه قطع مكالمته.. ".
وقد تجد محاورك يتحدث وفي كلامه ما ينبغي أن يستدرك عليه، ويراجع فيه تعليقًا وتصحيحًا، فمن الأفضل أن يكون لديك قلم وورقة تسجل عليه ما تود تسجيله حتى إذا جاء دورك أفضيت بما لديك حسب موقع ورودها.
هذا ما تيسر في هذا الموضوع المهم، وهو أصول وأدب الحوار عند السلف، ونسأل الله -تعالى- التوفيق والسداد والهداية إلى الحق واتباعه والدعوة إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.