شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

التربية الفكرية في مرحلة الطفولة (1-2)

عصام حسنين • المرأة والأسرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمن مسئولية الوالدين تجاه أولادهما: تربية فكرهم، ورعاية عقلهم؛ لينتفعوا به انتفاعًا يزيدهم إيمانًا بالله -تعالى-، وحبًّا له، واعتزازًا بدينهم، ودفاعًا عنه ضد التيارات الفكرية المنحرفة سواء الداخلية والخارجية.

ومَن نظر في الواقع نظرة فاحصة مِن جميع نواحيه، واطَّلع على مخططات الأعداء، وما يُحيكونه مِن مؤامرات على نشء وشباب المسلمين؛ أيقن بأهمية هذه المسئولية، فما زالت مؤامرة "تجفيف المنابع" تسير على قدم وساق، وسياسة فصل الدين عن الحياة: تعليمِها.. اقتصادِها.. سياستِها.. اجتماعياتِها.. إلى آخر ذلك.. سمة بارزة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وإن أنسَ فلا أنسى مقولة وزير سابق من العهد البائد -عامله الله بعدله- في أحد اجتماعات الروتاري: "دعوا هذه الأجيال تمضي، وانتظروا الأجيال القادمة"!

وقد مكث هذا الوزير قرابة العشرين سنة يُخرِّب عقول ناشئة المسلمين مِن خلال المناهج الدراسية بما يخدم مخططات الغرب، وكان معلومًا وقتئذ للجميع أنه يحمل أجندة أمريكية قام على تنفيذها، بل جعل في لجنة تطوير التعليم بعض الخبراء الأمريكيين!، ولك -أخي القارئ- أن تترك العنان لخيال ظنك لتنظر أين يصل بك إذا كان الذئب راعيًا للغنم!

في ميزان سيئات هذا الطابور الخامس -إن شاء الله- ما وُجد مِن خراب عقلي سواء في العقيدة أو العبادة أو المعاملة أو الأخلاق عند هذه الأجيال إلا مَن رحم الله -تعالى-.

لقد تنكَّر هؤلاء المخربون لدينهم، ولأصول التربية الموافِقة لأهل السنة والجماعة -الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة-، وأحسنوا الظن بالتربية الحديثة التي تقوم على أسس علمانية أو إلحادية.. هذه التربية التي بات أهلها يئنون مِن ويلاتها في مجتمعاتهم، فكثرة كاثرة مِن المجرمين، والشاذين، والمرضى النفسيين، والمصابين بالإيدز، ومروِّجي المخدرات والمدمنين.. إلى آخره! فهل يريد هؤلاء المخربون لبلادنا وشبابنا أن يكونوا كذلك؟!

والجواب: نعم، كل الدلائل سواء كانت مناهج دراسية أو بعثات أو تكريم للمتفوقين تشير إلى ذلك وتؤكده.

أيها الأبوان الكريمان:

ينبغي أن يكون خوفكما على أولادكما بعد بيان هذه المخاطر كخوفكما على أبدانهم، بل أشد؛ لأنه خوف على الدين الذي به سعادة الدنيا وفلاح الآخرة، وأن الخسارة فيه خسران الدنيا والآخرة، قال الله -تعالى-: ( إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) (الزمر:15) ، وقال -تعالى-: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (النحل:97) .

أيها الأبوان الكريمان:

إن التربية لن تكون صالحة مصلحة إلا في إطار غايتها العظمى، وهي: عبادة الله وحده لا شريك له، ولكي تكون التربية الفكرية صالحة مصلحة؛ فنضع الإرشادات التالية التي نسأل الله -تعالى- أن يوفقنا للعمل بها، وغرسها في أولادنا.

- إن أفضل مواهب الله لعبده العقل، ولقد أحسن مِن قال:

وأفـضـل قسـم اللهِ لـلمـــــرءِ عقلُهُ فليس مِن الخيرات شـيء يقاربه

إذا أكـمـل الرحمـنُ للمـــــرءِ عقـلَه فقد كمــــــــــــلت أخلاقه ومآربه

يعيش الفتى في الناس بالعـقل إنـه على العقل يجري علمُه وتجاربُه

يزيد الفتـى في الناس جـودةُ عقـلِه وإن كان محـظورًا عليه مكاسبُه

قيل لابن المبارك: ما خير ما أُعطي الرجل؟ قال: "غريزةُ عقلٍ". قيل: فإن لم يكن؟ قال: "أدبٌ حسن". قيل: فإن لم يكن؟ قال: "أخ صالح يستشيره". قيل: فإن لم يكن؟ قال: "صمت طويل". قيل: فإن لم يكن؟ قال: "موت عاجل".

وقيل لعطاء: ما أفضل ما أُعطي العبد؟ قال: "العقل عن الله".

قال أبو حاتم البُستي -رحمه الله-: "فالواجب على العاقل أن يكون بما أحيا عقله مِن الحكمة أكلَفَ منه بما أحياه جسده مِن القوت؛ لأن قوت الأجساد المطاعم، وقوت العقل الحِكَم، فكما أن الأجساد تموت عند فقد الطعام والشراب، فكذلك العقول إذا فقدت قُوتها مِن الحكمة ماتت".

قال الشاعر الباهر:

يزينُ الفتى في الناس صحةُ عقله وإن كان محظورًا عليه مكاسبُه

يَشينُ الفتى في الناس خـفة عقله وإن كـرمت أعراقـُه ومناســــبُه

وقيل لرجل مِن العرب عُمِّر دهرًا: أخبرني بأحسن ما رأيته؟ قال: "عقلٌ طُلِبَ به مروءة مع تقوى الله وطلب الآخرة" "انظر روضة العقلاء ص18 وما بعدها" .

- هذا غيض مِن فيض في فضل العقل، وسعي العبد للحكمة التي هي العلم النافع والغذاء الصالح له.

- والعقل اسم يقع على المعرفة بسلوك الصواب، والعلم باجتناب الخطأ.

- ولا يولد أحد عالمًا، وإنما العلم بالتعلم، وعلى الوالدين تقع هذه المسئولية.

خصائص الملكات العقلية في هذه المرحلة:

ينطلق الوالدان مِن هذه الخصائص قيامًا بمسئولية التربية الفكرية؛ بُغية الوصول إلى التكامل التربوي السليم في شخصية طفلهما.

1- الذكاء:

وهو: سرعة الفهم، والذكي هو: مَن وُهب القدرة على الفهم السريع، وهو محض فضل مِن الله -تعالى-، ولحِكَمٍ عظيمة فاوت الله -عز وجل- فيه بيْن عباده كغيره مِن العطايا، قال الله -تعالى-: ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (الزخرف:32) .

قال العلامة الجزائري -حفظه الله-: "فيها بيان الحكمة في الغنى والفقر، والصحة والمرض، والذكاء والغباء" اهـ مِن "التفسير 4/638 " .

- وأخبر -صلى الله عليه وسلم- أنه بقَدَر؛ فقال: ( كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ ) (رواه مسلم) .

قال القاضي عياض -رحمه الله-: "الكيس ضد العجز، وهو: النشاط والحذق بالأمور، ومعناه: أن العاجز قد قـُدِّر عجزُه، والكيِّس قد قـُدِّر كيسُه" اهـ مِن "شرح النووي 16/205" .

الصفحة التالية