شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

التربية الفكرية في مرحلة الطفولة (1-2)

عصام حسنين • المرأة والأسرة

ودلتنا السنة -أيضًا- على أن الوالد يرث مِن والديه، لذا؛ حثتنا السنة على حسن اختيار الزوجة، فعن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ، وَانْكِحُوا الأَكْفَاءَ، وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ ) (رواه ابن ماجه والحاكم، وصححه الألباني) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ ) (متفق عليه) .

يقول علماء التربية: "يتميز الذكاء في مرحلة الطفولة المبكرة بنمو سريع، ولهذا كان الاهتمام بالولد في هذه السنوات الأولى مُهمًا؛ لتنمية ذكائه وبنائه. فعلى الأب أن يتعرف على ذكاء ولده، وسبل تنميته، ويُمكنه أن يعرف ذلك بأمور.. منها:

- طلبه لمعالي الأمور، كأن يقول: أنا الأول، أو يقول لرفاق اللعب: مَن معي؟ فهذا ذكاء وتميز وظهور مبكر لقيادته وتقدمه.

- وكذا كثرة حركته، وزهده في السكون، فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن هناك علاقة بين الحركة والعقل، ولذلك ينبغي ألا نحد مِن حركته، وألا نمنعه من اللعب، بل نوفر له البيئة المناسبة لاستغلال طاقته وإخراجها.

- وكذا أسئلته المستمرة، وحب الاستطلاع، وهنا ينبغي الإنصات له، وتشجيعه والإجابة عن أسئلته بصدق ووضوح، وبما يتناسب مع عقله، والحذر من صدِّه أو تعنيفه لعدم كبته وقتل هذه الملكات.

بل وإذا بلغ سنًّا يُمكنه فيه القراءة؛ شجعناه عليها، واستثرنا معلوماته بالأسئلة، واستمعنا له باهتمام، فهذا يدفعه إلى مزيد، ويُربيه على الشجاعة والجرأة، وفصاحة اللسان والبيان.

- وفي مرحلة الطفولة المبكرة نحكي له قصصًا مناسبة بعيدة عن الأساطير، وبلغة سهلة فصيحة تزيد مِن ثروته اللغوية، ونطالبه بإعادتها.

- وينبغي أن نراعي المكافأة إذا أحسن، وأن نساعده على الإحسان إذا أساء.

- نستثير ذهنه بالأسئلة المتنوعة، فإن أصاب؛ شجعناه بالكلمات الطيبة والجوائز المحبوبة لنفسه.

- نعوِّده ألا يسأل إلا بعد أن يفكر في الجواب، فإن عجز؛ قربنا له الجواب عن طريق الحوار المتدرج مِن الأسهل إلى الأصعب، وهكذا حتى يصل إلى الجواب الصحيح.

- يُعوَّد أن يسأل سؤالاً صحيحًا، فإن سأل عن الله -تعالى- بـ:"من خلق الله؟"، قلنا له: ماذا قال الله عن نفسه في سورة الإخلاص؟ إذن، فهو لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.

ثم نقول له: ينبغي أن يكون السؤال عن الله -تعالى- عن آياته وآلائه، ونرشد إلى التأمل والتدبر في خلق الله -تعالى- في السماء وما فيها، والأرض وما عليها؛ ليكون له تبصرة وذكرى، وشوقًا إلى الله، وحبًّا له.

- توفير ألعاب مناسبة حلال له في البيت يلعب بها مِن آنٍ لآخر خاصة ألعاب الذكاء التي تنمي مهارات التفكير.

- نشركه في مرحلة الطفولة المتأخرة في حل القضايا والمشكلات البسيطة، وإحضاره إلى مجالس العلم ومجالس الكبار؛ لتتسع مداركه، وحذار مِن الاستهانة به أو ملكاته، فللصبي حدة ذهن قد لا تكون للكبير، دلَّ على ذلك حديث ابن عمر -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ ). فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ -أي: لوجود كبار الصحابة أمثال أبي بكر وعمر- ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ( هِيَ النَّخْلَةُ ) (متفق عليه) .

وفي رواية لمسلم: قال عبد الله: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ. قَالَ: "لأَنْ تَكُونَ قُلْتَ: هِيَ النَّخْلَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا". وهذا تشجيع مِن عمر لابنه أن يتحدث في مجالس الكبار ما دام سيتحدث بعلم عجزوا عنه.

وفيه أيضًا: أن العلم فتوح ومواهب يفتح الله به على مَن يشاء مِن عباده، وإن كان صغير السن كابن عباس -أيضًا- الذي كان يحضره عمر -رضي الله عنه- مجالس الكبار لعلمه، ويقول له: "قل ولا تحقر نفسك"!

وكان ابن شهاب الزهري -رحمه الله- يشجع الأطفال، ويقول: "لا تحتقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم، فإن عمر بن الخطاب كان إذا نزل به الأمر المعضل؛ دعا الفتيان فاستشارهم يتبع حدة عقولهم".

وكان الحسن يقول: "قدموا إلينا أحداثكم؛ فإنهم أفرغ قلوبًا، وأحفظ لما سمعوا".

- وننبه هنا على أن التربية كلٌّ متكامل، بعضها مرتبط ببعض، فالتربية الفكرية مرتبطة جدًّا بالتربية النفسية، فالجو الذي يشيع فيه الحب والرفق والتشجيع يُخرج ملكات الطفل ومواهبه وينميها، فيحاول الأبوان الكريمان أن يجعلا ابنهما بهذه المثابة، والحذر ثم الحذر مِن الضدِّ.

2- الحفظ والتذكر:

- يمتاز الطفل في هذه المرحلة بقدرة فائقة على الحفظ والتذكر؛ لصفاء ذهنه، وسرعة نمو ذكائه، وعلى الأبوين ألا يهملا هذه الفترة، ولا يقولا: صغير.. أو يتركانه حتى يذهب إلى المدرسة أو الروضة، بل ينبغي بذل الجهد لاغتنام هذه الفترة، واستغلالها استغلالاً حسنًا يعود على الطفل بما ينفعه، بتسطير ما ينفعه في صفحته البيضاء.

قال ابن القيم -رحمه الله-: "مَن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى، فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم مِن قبل الآباء أو إهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم" (تحفة المودود: ص161) .

- وخير ما يُنقش في قلبه الطاهر كلامُ الله -تعالى -، وتقدم الكلام عليه في مقال: " التربية الإيمانية ".

- وينبغي التركيز وعدم الإهمال ، ويبدأ معه بالقليل مع التحفيز.

- وبجنبه أسباب الإلهاء ومعاصي الله -تعالى-، وكذا التوتر والانفعال.

- ويحفظه بعض أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- القصار، والتي تتناسب مع فئته العمرية، وإن وجد مِن ابنه إقبالاً وحدة ذكاء أكثر معه.

- ويحفظه -أيضًا- بعض الطيب مِن أشعار المؤمنين الصالحين.

- ويحفظه أيضًاح بعض الأمثال الصحيحة فهي حكمة الشعوب.

الصفحة السابقة الصفحة التالية