البكَّاءون الجُدُد
وائل سرحان • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن الله -جلَّ جلاله وتباركت أسماؤه- خلق هذا الخلق والكون الفسيح بحكمة، ولحكم بالغة، وهو -تعالى- خبير بما خلق، عليم بهم وبما يصلحهم، وما يصلحون له، فخلق -تبارك وتعالى- ما يشاء، واصطفى مما يخلق ما يشاء، وفضَّل بعض مخلوقاته على بعض، قال -تعالى-: ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (القصص:68) .
وهذه الآية "فيها عموم خلقه لسائر المخلوقات، ونفوذ مشيئته بجميع البريات، وانفراده باختيار مَن يختاره ويختصه مِن: الأشخاص، والأوامر، والأزمان، والأماكن، وأن أحدًا ليس له مِن الأمر والاختيار شيء" (تفسير السعدي 1/622) .
ففضَّل -تبارك وتعالى- بعض الأماكن على بعض كما فضل "مكة" على غيرها، وفضل بعض الأزمنة على بعض: ( إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ) (التوبة:36) .
وفضل الإنسان على غيره من المخلوقات: ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) (الإسراء:70) ، وفضل بني آدم بعضهم على بعض: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.. ) (النساء:34) ، وفضل أمة محمد على سائر الأمم: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ... ) (آل عمران:110) .
بل فضَّل أفضل خلقه من البشر بعضهم على بعض: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) (البقرة:253) ، "كما ثبت في حديث "الإسراء" حين رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- الأنبياء في السموات بحسب تفاوت منازلهم عند الله -عز وجل-" (ابن كثير 1/670) .
وسبب ذلك التفضيل أنه -تبارك وتعالى- اللطيف الخبير، هو أعلم بمن خلق: ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (الملك:14) ، فقد بيَّن -سبحانه- سبب ذلك من تقديم وتفضيل بعض النبيين على بعض في قوله -تعالى-: ( وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ) (الإسراء:55) ، فلأنه -تعالى- أعلم بمن في السموات والأرض "فله أن يخص من شاء بما شاء، لا اعتراض عليه ألبتة" (تفسير الرازي 12/104) .
فإذا كان ذلك في حق الأنبياء والمرسلين فهو فيمن دونهم أولى وأجدر: ( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (الجمعة:4) ، لكن قد يفهم بعض الناس ذلك التفضيل فهمًا خاطئًا، فيظن أن التفضيل بكثرة المال والجاه، والعرض الزائل، والعارية المسترجعة، إنما حقيقة ذلك التفضيل هو ما كان تفضيلاً في طاعة الله: ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (يونس:58) .
فاختيار الله -تعالى- لبعض خلقه واصطفاؤه لهم إنما هو استخدامهم لطاعته -سبحانه-، فإنه ( يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ) أن يخلقه ( وَيَخْتَارُ ) لولايته الخيرة من خلْقه" (الطبري 19/608) ، فهو -تقدست أسماؤه- "يختار منهم من يشاء لطاعته.. ويختار الأنصار لدينه" (القرطبي 13/270) ؛ لذلك جاء الاصطفاء في كتاب الله مقرونًا بوراثة الكتاب فهؤلاء هم المصطفون حقًّا: ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) (فاطر:32) .
وذكر -تبارك وتعالى- أنه فضَّل الذين ينصرون دينه، العاملين لرفعته، المجاهدين في سبيله: ( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ) (النساء:95) .
وحتى يفطن الناس إلى حقيقة الاختيار والاصطفاء؛ جاءت المقارنة في القرآن العظيم بين من يريد العاجلة ومن يريد الآخرة.. وجاء التعقيب بأن الساعين للآخرة هم أهل التفضيل؛ لأن الآخرة هي: (أ َكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ) قال -عز من قائل-: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا . وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا . كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا . انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ) (الإسراء:18-21) ، فهناك تفضيل في الدنيا، فمنهم الغني والفقير، والحسن والقبيح، وغير ذلك.. لكن الآخرة: ( أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا )؛ لتفاوتهم فيها أكبر من الدنيا "فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها، ومنهم مَن يكون في الدرجات العُلَى، ونعيمها وسرورها" (ابن كثير 5/63) .