البكَّاءون الجُدُد
وائل سرحان • مع الدعاة
لذلك؛ جاء التحذير أن يفهم الإنسان الاختيار والاصطفاء والتفضيل فهمًا خاطئًا؛ فيتطلع إلى زيف، وينظر إلى سراب، ويتعلق بما يزول: ( وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) (طه:131) ، فلقد نهى أفضل خلقه ألا ينظر إلى ما متع به المعرضِين عن آيات الله؛ فإن ذلك "مِن زهرة عاجل الدنيا" فهذا ابتلاء واختبار، فإن ذلك "فانٍ زائل، وغُرور وخدع تضمحل"، أما رزق الله فهو في الآخرة، وهو خير وأبقى.. هكذا بإطلاق، وتأمل ذكر الآخرة بالرزق فإنها وما جُعل مِن أسبابها في الدنيا هي الرزق الحقيقي، ولو تأملت -أيضًا- سبب نزول هذه الآيات؛ لاتضح لك ذلك غاية الوضوح، فعن أبي رافع قال: "أرسلني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى يهودي يستسلفه، فأبى أن يعطيه إلا برهن، فحزن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله هذه الآيات" (الطبري 18/403) .
أما واجبنا أمام هذا الاصطفاء والاختيار فأشياء.. منها: ( وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) (النساء:32) .
فنهانا عن أن نشتهي ما فضل الله به بعض الناس، لكنه أمرنا أن نسأله -تعالى- من فضله، وأعظم الفضل -كما علمت- أن نكون من أنصار دينه، المجاهدين في سبيله ممن استحقوا وراثة الكتاب.
ونهانا عن التوقف عند النظر في ذلك التفضيل وعدم العمل -ولا أعني في سببه وحكمته-، أو أن يظل يتحسر على تقديم بعض الناس عليه، وأخبر أن التفضيل الحقيقي هو التفضيل بدخول الجنة؛ لذلك لابد للعمل مِن أجله، والمسارعة والمسابقة فيه، وذلك السعي ثمرته تظهر في الآخرة بالأساس: ( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (الحديد:21-23) .
أما مَن اختصهم الله بفضله واصطفائه فواجبهم هو الشكر، وأن يكون حالهم كحال سليمان -عليه السلام- حينما قال: ( هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) (النمل:40) ، هذا هو ما ينبغي أن يكون، لا الزهو والتفاخر، ولا التكبر والتعالي، ولا النظرة الدونية لغيره، وأنفع الشكر: الشكر بالعمل ( اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) (سبأ:13) ، فهناك مَن يقابل ذلك الفضل بالجحود والنكران: ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ) (النمل:73) ، وقال -تعالى-: ( اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) (غافر:61) .
لكن لابد مِن التنبيه والحذر أن ذلك الاختيار والاصطفاء والتفضيل قد ينزعه الله -تعالى- من أصحابه إذا غيروا وبدلوا؛ فلقد فضل الله -تعالى- بني إسرائيل حينًا من الدهر، كما قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (الجاثية:16) ، فلما غيروا وبدلوا؛ نزع الله منهم ذلك، وأعطاه إلى غيرهم.
غير أن هناك فهمًا خاطئًا مِن نوع آخر ربما تسرب إلى أولئك المصطفين المجاهدين العاملين من أجل نصرة الدين، الذين يسعون لأمر الآخرة، فربما رأى أحدهم غيره قد شارك في صنع القرار، أو رأى غيره في موضع يدير فيه دفة الدعوة أو الجهاد لنصرة دين الله، ربما رأى ذلك؛ فظن أنه لم يكن من أهل الاختيار والاصطفاء.
و"ما هكذا يا سعد تورد الإبل"، فنصرة الإسلام والعمل من أجله والدعوة إلى الله غير متوقفة على مكان إداري أو موضع صنع القرار! فهناك مِن المصطفين مَن لا يعلمهم إلا الله، يجاهدون في صمت وينصرون الإسلام أشد ما تكون النصرة من حيث لا يعلم بهم إلا حبيبهم ومولاهم، أرادوا أن تكون أعمالهم له وحده، فبالغوا في إخفائها، وأرادهم الله لنفسه، فجعلهم المجاهدين الأخفياء.
كم تحتاج دعوتنا إلى ذلك الجندي المجهول الذي لا يُعرَف في المشاهير ودعوته تخترق حجب السماء، يستجيب الله لقسمه، أليس ذلك أمضى في نصرة الإسلام من دوائر صنع القرار؟! فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ؛ لأَبَرَّهُ ) (رواه مسلم) ، وفي رواية عن أنس -رضي الله عنه-: ( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِى طِمْرَيْنِ لاَ يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
تأمل قول نبينا -صلى الله عليه وسلم-: ( مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ ) أو قوله: ( لا يُؤْبَهُ لَهُ )، فبدعوة هؤلاء يكون النصر، وهو أمضى مِن ألف إدارة أو قرار شهير، إنه.. أصبع "محمد بن واسع".