شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

البكَّاءون الجُدُد

وائل سرحان • مع الدعاة

ولابد من أن ننتبه.. فالعمل في البروز والعلن ربما حفته المخاطر، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ( أَوَّلُ النَّاسِ يُقْضَى لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ؛ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا، قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ؛ لِيُقَالَ: فُلانٌ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ؛ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا، قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ؛ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ؛ فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا، قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ كَمَا أَرَدْتُ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ؛ وَلَكِنْ لِيُقَالَ: إِنَّهُ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، فَأُلْقِيَ فِي النَّارِ ) (رواه مسلم، والنسائي واللفظ له، وصححه الألباني) .

شهيد مجاهد، وعالم قارئ، ومنفق متصدق.. تسعر بهم النار، ويقضى لهم قبل غيرهم! خطر على الإنسان أن يكون معروفًا مرموقًا، فقِه ذلك عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فقال: "كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب، تعرفون في أهل السماء، وتخفون في أهل الأرض" (تقريب التواضع والخمول 5) ، وأوصى محيريز رجلاً فقال له: "إن استطعت أن لا تعرِف ولا تُعرف، وتمشي ولا يُمشَى إليك، وتسأل ولا تُسأل؛ فافعل" (تقريب التواضع والخمول 9) .

هذا البروز خطره عظيم يصعب معه الإخلاص؛ لذلك كان أيوب يكره أن يُعرف، فعن حماد بن زيد قال: "كنا إذا مررنا بالمجلس ومعنا أيوب، فسلم ردوا ردًا شديدًا، قال: فكأن ذلك نقمة، قال أبو داود: كراهة الشهرة" (تقريب التواضع والخمول" (10) .

فالإخلاص في الخمول أيسر كثيرًا مما لو كان المرء معروفًا ذائع الصيت، لذلك؛ كان أيوب السختياني يقول: "ما صدق الله عبدٌ إلا سره أن لا يُشعر بمكانه" (تقريب التواضع والخمول 8) .

وكن دائمًا على ذُكر مِن قوله -تعالى-: ( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) (البقرة:271) .

ولا يظن أحد أن عدم اختياره لهذه الأعمال التي غبط لها غيره يحقر من شأنه، ما ضرك نظر الناس شيئًا، فما ضر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن رأت قريش أنه ليس جديرًا برسالة الله فقالوا: ( لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ.. ) (الزخرف:31) ، "يعني: الوليد بن المغيرة، أو عروة بن مسعود الثقفي، فأنزل الله -تعالى- قوله: ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ.. )، جوابًا للمشركين" (تفسير البغوي 6/218)، والقرطبي (13/270) ، لكن هذه الغبطة المحمودة التي يؤجر صاحبها لو انقلبت حسدًا وضغينة، وإلى تواني في العمل كانت قبيحة مذمومة.

فليحذر المرء مِن: ( أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ.. ) (البقرة:247) ، فإنه -تعالى-: ( يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة: 247) ، عليم بمن يحق له الملك، وإنه -سبحانه-: ( يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ.. ) (القصص:68) ، ولأنه -تعالى-: ( أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) (الإسراء:55) .

وفي الختام أسوق هذه القصة؛ حتى نعلم كيف يأتي النصر المنشود، وهي قصة بقيت عالقة في ذهني -وإن كنت نسيت مصدرها-: "في فتح "القسطنطينية" كان بعض المجاهدين يستريح ليله؛ ليتقوى بالراحة على الجهاد، لكن بعضهم كان يتقوى بالصيام وبقيام الليل، وفي إحدى الخيام أرهق أحد هؤلاء المجاهدين الصائمين القائمين صاحبه في الخيمة من كثرة قيامه الليل، وهو يريد أن يستريح؛ ليتمكن من الجهاد، فعزم عليه في ليلة من الليالي أن ينام، فأجابه إلى طلبه؛ لئلا يكون عونًا على صاحبه، لكنه استيقظ من نومه مذعورًا يمد يديه، فاستيقظ صاحبه ورأى هذه الحال، فعزم عليه أن يخبره بما رأى في نومه، لعلمه بصلاح صاحبه، فأخذ عليه العهود والمواثيق ألا يحدث برؤياه، ولا بخبره إلا بعد موته، وشرط عليه ذلك حتى يخبره خبره، وقص عليه رؤياه.

لقد رأى أنه دخل الجنة وقدمت له الحور العين حتى إذا مد يده إليها قالت له: "لا؛ ستفطر عندنا بعد ثلاث"، فأصبح ذلك المجاهد صائمًا، ووضع نفسه موضع سهام العدو، وأرهق أعداء الله، فكان السهم منهم يأتيه ولا يصيبه، حتى جاء المغرب فأفطر وقام ليلته هذه، وأصبح صائمًا وفعل ما فعل في يومه السابق، حتى كان اليوم الثالث.. فقام ليلته وأصبح صائمًا، وأرهق أعداء الله، ووضع نفسه موضع سهام العدو، فكان السهم يأتي إليه ولا يصيبه، حتى قربت الشمس من الغروب، فجاءه سهم فأرداه صريعًا!

وكان صاحبه يرمقه مِن بعيد، فصاح بالجيش: هلم إلى الرجل.. لينقذوه من أيدي الأعادي حتى إذا دنا وتمكن منه صاحبه فصاح: هنيئًا لك بما تفطر الليلة، فعض صاحبنا -المجاهد التقي الخفي الذي لا يعلم بمكانه غير صاحبه- عض على شفتيه أنِ اكتم عني، يذكّره بالعهد الذي كان بينهما، فلما قضى نحبه؛ نادى صاحبُهُ في الجند: هلم أخبركم خبر الرجل، وقص عليهم قصته.

الصفحة السابقة الصفحة التالية