شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

البكَّاءون الجُدُد

وائل سرحان • مع الدعاة

وقد امتدح النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك الجندي المتأهب دائمًا، ذلك الذي يعمل من أجل الله، لا يعبأ بأي مكان وُضع فيه، فهو لم يعمل لنظر الناس، إنما يعمل من أجل حبيبه ومولاه، ومن أجل دينه وأخراه، فإذا وُضع في مكان يستطيع مِن خلاله أن يخط ويخطط للدعوة طريقها؛ أبلى فيه واجتهد، وإن كان في الساقة؛ أبلى بلاءً حسنًا واجتهد، لقد بشره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة: ( طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ؛ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ؛ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنْ اسْتَأْذَنَ؛ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ؛ لَمْ يُشَفَّعْ ) (رواه البخاري) .

فرغم هذا الاستعداد للعمل والبذل إلا أنه إذا استأذن لم يؤذن له، فإنه مغمور لا يعرفه أحد، ولا يُختار في مواضع الاختيار، وإذا أراد أن يشفع لأحد؛ لم يُسمع له، فمن هو..؟؟ إنه مغمور مجهول، غير معروف، لكن عرفه أهل السماء، وهيأ الله له الجنان، واشتاقت للقياه الحوراء.

وقد عرف المسلمون الأوائل ذلك فما كان أكثر العاملين الأخفياء؛ لذلك نُصر الإسلام نصرًا مؤزرًا من حيث لا يعلم الناس أسبابه الظاهرة، فهذا كعب يقول: "طوبى لهم، طوبى لهم، قيل: ومَن هم يا أبا إسحاق؟ قال: طوبى لهم، قوم إن شهدوا؛ لم يدخلوا، وإن خطبوا لم ينكحوا، وإن غابوا؛ لم يفقدوا" (تقريب التواضع والخمول) .

وعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: رَأَى سَعْدٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ ) (رواه البخاري) .

وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ( ابْغُونِي ضُعَفَاءَكُمْ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، وهذا الضعيف ليس ضعيف الإيمان، ولا الإمكانيات الإدارية، إنما هو ضعف في نظر الناس، وهو قوي الإيمان، رائع الإمكانيات، لكنه أرادها خالصة لمولاه، فلم يُعرف بذلك بين الناس فعدُّوه ضعيفًا، واستمع مرة أخرى إلى قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( ابْغُونِي ضُعَفَاءَكُمْ.. )، فعلى أيديهم يكون النصر والرزق!

ربما تمنى المرء أن يكون في هذه الدوائر لتكون خدمته للدين أتم وعمله لإسلامه أنفع، فأجر القائد الذي يتحمل عناء الإدارة وتبعاتها أكبر من أجر الجندي الذي اجتهد في موقعه، لكنه لم يتعنى كتعني ذلك القائد، نعم.. هذا حق، لكنك تؤجر بهذه النية العظيمة مثل أجر هؤلاء القادة -تمامًا- لم ينقص أجرك الذي تسعى له عن أجرهم، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: ( إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلاَّ كَانُوا مَعَكُمْ ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: ( وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ ) (رواه البخاري) ، وفي رواية: ( وَلا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .

لقد حبسك عذر عدم الاختيار في تلك المواقع، وليس عدم اختيار واصطفاء الله لك، وهذا لن ينقص من الأجر شيء، فهذا رجل من الأنصار كان يقول: "اللهم ذكرًا خاملاً لي ولبني، ولا ينقصنا ذاك عندك شيئًا" (تقريب التواضع والخمول 6) .

كم عندنا في وقتنا هذا مِن "البكَّائين الجدد" الذين تمنوا كمال وتمام الخدمة لدين ربهم، لكنهم لم يجدوا ما يحملوا عليه: ( وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ) (التوبة:92) .

لا ضير أن يتمنى المرء أن يخدم دينك وينصره أشد مِن نصرة فلان وفلان، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ( لا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ، فَقَالَ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ ) (رواه البخاري) ، وفي "الصحيحين" عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- مرفوعًا: ( وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا )، فلا ضير عليك في هذه الغبطة المحمودة، أو أن تكون من البكائين الجدد، لكن هؤلاء البكائين بكوا؛ لعدم قدرتهم على الجهاد كلية، وأنت تقدر على أنواع أخرى -وربما أكبر نفعًا- مما لم تختر له.

الصفحة السابقة الصفحة التالية