هل تنصرون إلا بضعفائكم؟!
محمد إسماعيل أبو جميل • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: رَأَى سَعْدٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلا بِضُعَفَائِكُمْ ) (رواه البخاري) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلاتِهِمْ وَإِخْلاصِهِمْ ) (رواه النسائي، وصححه الألباني) . وفي رواية: ( هَلْ تُنْصَرُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ بِدَعْوَتِهِمْ وَإِخْلاَصِهِمْ ) (رواه أبو نعيم في الحلية، وصححه الألباني) .
فكم مِن نصر أو فضل عبر التاريخ نُسب -في الدنيا- لأسماء بارزة مِن أعلام المجاهدين والعلماء والقادة.. وأما عند الله وفي الآخرة؛ فقد يكون له سبب آخر خفي، هو دعوة صادقة خالصة من رجل من أغمار الناس لا يعلمه أحد، ولا يفطن أحد إليه: ( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طَمْرَيْنِ لاَ يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
هو فارس نعم.. ولكن ليس في الميدان، وإنما هو من فرسان الأسحار والمحاريب. هو قائد نعم.. ولكن ليس في معركة الوغى، وإنما معركته خفية؛ هي معركة القلوب والإخلاص، قلبه احترق واشتعل غيرة على دين الله.. ذرف الدمع وما معه من سبيل إلا سهم دعائه يرمي به من وتر قوس قلبه إلى الهدف.. إلى السماء.. فتصل الاستغاثة ويأتي المدد.. وتنقلب الموازين.. وتتبدل مجريات الأمور في لطف وخفية من الناس، وبغير سبب ظاهر لهم.. ولكن كل ذلك عند ربي في كتاب ( لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى ) (طه:52) .
ويشهد لذلك قصة الحديث: إذ رأي سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- لنفسه فضلاً وسبقًا؛ ليس كبرًا ولا غرورًا ولا عجبًا.. وحاشاه -رضي الله عنه-.. فإنه مِن العشرة المبشرين بالجنة، ومِن السابقين الأولين من المهاجرين: ( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (التوبة:100) ، بل هو سادس مَن أسلم من المسلمين، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وفدّاه النبي -صلى الله عليه وسلم- جامعًا له أباه وأمه -عليه الصلاة والسلام-، فقال في غزوة أحد: ( يَا سَعْدُ ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ) (متفق عليه) .
وهو أحد الستة أصحاب الشورى الذين أوصي عمر -رضي الله عنه- لأحدهم بالخلافة من بعده، ومناقبه لا تحصي.. ويكفي أنه من أصحاب محمد -عليه الصلاة والسلام- الذين قال فيهم ابن مسعود -رضي الله عنه-: "أولئك أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-، أرق هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا".
وإنما استحضر سعد -رضي الله عنه- نعمة الله عليه، ورأى ما خصه به من دون الكثير من السبق للإسلام والجهاد في سبيل الله؛ رآها رؤية شاكر لا رؤية عجب وغرور: ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (يونس:58) .
ولعل لما سيكون له من شأن ولما سيوليه الله من أمر المسلمين، أراد معلمه -صلى الله عليه وسلم- أن يزيده علمًا وأدبًا مع ربه، ويزيده هو والمسلمين من ورائه بصيرة بفقه الأسباب الظاهرة والخفية، وأن هناك أسبابًا خفية أنجع وأشد -وإن لم تشاهدها أنظار الناس-, بل وقد تكون هي السبب الحقيقي، ورب ألف سبب لا خير فيه, ورب سعي بغير بركة ولا ثمرة, ورب جهد جهيد يصير هباءً منثورًا ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ ) (المدثر:31) .
- فـ (إنما) أسلوب قصر وآكد منه (الاستفهام.. وإلا.. ) أي أن هذا هو السبب الوحيد، أو أنه السبب الحقيقي.
فالأمر على حالين -والله أعلم-:
الأول: انعدام الأسباب الظاهرة فيكون المقصود منها أنه السبب الوحيد.
الثاني: وجود الأسباب الظاهرة سواء كانت كافية أم لا؟ فيكون المقصود أنه السبب الحقيقي، وذلك بجامع التوكل على الله في كلتا الحالتين: وجود الأسباب أو عدمها...
ومثال الأول: وهو من الأعاجيب.. إذ بعد أن حفظ سعد هذا الحديث في قلبه ظل مستحضرًا إياه، حافظًا وصية خليله -صلى الله عليه وسلم- أيامًا وسنين حتى جاءت لحظة كان يُعد سعد لها في فتح المدائن أمام الفرس فصل بينهم وبين المسلمين نهر دجلة، نهر هادر لا يقل عمقه عن ستة أمتار، وما من سبيل للمسلمين يخلصون به إلى الفرس، فنظر إليه سعد وكلمات المصطفي -صلى الله عليه وسلم- تدندن في أذنيه، فخطب في أصحابه كما ينقل أهل السير (الطبري 119/3) ، وكان مما قال: وقد رأيت من الأوفق أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصركم الدنيا.. ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم. فقالوا جميعًا: عزم الله لنا ولك على الرشد, فافعل.. ثم قال لهم: قولوا: نستعين بالله ونتوكل عليه حسبنا الله ونعم الوكيل, ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. (الطبري 4/48) ، وكان عبورًا لا مثيل له في التاريخ.. عبرت الخيول سابحة وعلي رأسهم الفرسان يقاتلون.
ومن ذلك: قصة أصحاب الغار الذين غلقت عليهم الصخرة، وما من سبب بين أيديهم يأخذون به إلا أن دعا كل منهم ربه بدعوة صادقة، وبعمل ظن فيه الإخلاص لله -جل وعلا-، حتى انزاحت عنهم الصخرة.
ومن ذلك أيضًا: لما انعدمت الأسباب أمام موسى وبني إسرائيل، ومِن ورائهم فرعون وجنوده ( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ . فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ . وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ . وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) (الشعراء:61-68) .