هل تنصرون إلا بضعفائكم؟!
محمد إسماعيل أبو جميل • مع الدعاة
ومثال الثاني: "معركة تستر".. لما حاصرها المسلمون في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، واستعصت على المسلمين مع ما كان معهم من عدة وعتاد، ففطن بعض المسلمين أن من بينهم البراء بن مالك -رضي الله عنه- وقد سمعوا من النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طَمْرَيْنِ لاَ يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ ). فقالوا: يا براء إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: إنك لو أقسمت على الله لأبرك, فأقسم على الله. فقال -رضي الله عنه-: "أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، وألحقني بنبي -صلى الله عليه وسلم-". فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيدًا. (أخرجه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي) .
ومن ذلك: ما كان في غزوة "بدر"، إذ كان عدد المشركين حوالي ثلاثة أضعاف عدد المسلمين مع تفاوت عظيم في سلاح الفريقين، إلا أنها كانت هذه هي أسباب المسلمين وما يستطيعون، فقضي -صلى الله عليه وسلم- الليل يدعو: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ اللَّهُمَّ إِنْ تَشَأْ لا تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ ). فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ، وَهُوَ يَثِبُ فِي الدِّرْعِ. فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) (رواه البخاري) ، وأخذ -صلى الله عليه وسلم- كفًا من الحصى فاستقبل بها المشركين فرمي بها، وقال: ( شَاهَتْ الْوُجُوهُ ) (رواه مسلم) ، فما تركت أحدًا من المشركين إلا وجاء في عينه منها، وأنزل -جل وعلا-: ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ) (الأنفال:17) ، وكانت غزوة بدر.
ومن ذلك: ما سيكون في آخر الزمان، إذ يقول -صلى الله عليه وسلم-: ( سَمِعْتُمْ بِمَدِينَةٍ جَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَرِّ وَجَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَحْرِ؟ ). قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ( لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَقَ فَإِذَا جَاءُوهَا نَزَلُوا فَلَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلاحٍ وَلَمْ يَرْمُوا بِسَهْمٍ قَالُوا: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ فَيَسْقُطُ أَحَدُ جَانِبَيْهَا الَّذِي فِي الْبَحْرِ ثُمَّ يَقُولُوا الثَّانِيَةَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ فَيَسْقُطُ جَانِبُهَا الآخَرُ ثُمَّ يَقُولُوا الثَّالِثَةَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ فَيُفَرَّجُ لَهُمْ فَيَدْخُلُوهَا فَيَغْنَمُوا.. ) (رواه مسلم) .
فليس الأمر دومًا حسابات مادية فحسب، بل هناك أمورًا خفية قد تكون أنجع وأشد، ولما يرى أحدنا مكر الليل والنهار منذ ظهور نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وقد علم الجميع لمن القوة الحقيقية في الشارع وبين الناس، وأصبح من المسلَّم عند الجميع تقريبًا أن البرلمان القادم -بإذن الله- ستكون أغلبيته للإسلاميين، ومِن ثمَّ لجنة وضع الدستور، ومِن ثمَّ سيكون الدستور الذي سيحكم مصر عشرات أو مئات السنين أقرب للإسلام -بإذن الله-.. ففزع القوم من كل حدب وصوب على اختلاف مناهجهم.
الكل يحاول منع ذلك أو تعطيله أو تأجيله؛ بالكذب تارة وتشويه صورة الإسلام والإسلاميين تارة أخرى، أو محاولات استدراج إلى معارك فتنة طائفية، أو محاولات لإجهاض الثورة وإجهاض مكتسباتها وتعطيلها، ووقيعة بين الجيش والشعب أو قفز على إرادة أغلبية الشعب -والتي أفصحت عنها نتيجة الاستفتاء- بأي وكل وسيلة يقدرون عليها، وأمورًا كثيرة لا يحصيها القلم.. كل يوم نصبح على مكر جديد.. وآخر ذلك: تعيين لجنة لوضع "المواد فوق الدستورية"، والتي هي أخطر وأهم مواد الدستور، ولن تعرض للاستفتاء أصلاً، بل ويرأس هذه اللجنة من يصرح بليبراليته وعالمانيته؛ كل ذلك مضادةً لإرادة الأغلبية، ومكرًا بالمسلمين أهل هذه البلاد، ومنعهم مما اختاروه وارتضوه!
كل ذلك ظلمًا وعدوانًا، ولن يسكت عنه ذو إرادة أبية أبدًا؛ حتى وإن دسوا فيها موادًا تدغدغ عواطف المسلمين احتيالاً عليهم، بل هي مرفوضة جملةً وتفصيلاً -والله المستعان-.
ولما لم يكن لنا طاقة -ظاهرة- بهذا المكر الذي يمكرونه بالليل والنهار، ولا علم لنا ما الذي سيؤول إليه الأمر، ولا من أين ستأتي هجمتهم التالية ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا ) (النساء:45) ، ولا قبل لنا بمثل كيدهم، وبالفعل قد يستقل البعض منا ما بأيدينا من أسباب، فهنا تعتصر القلوب وتحترق.. هنا يخرج السهم الذي لا يخيب.. يرمي به صاحبه رمية فارسٍ يستميت في الدفاع عن حصنه، والأعداء حوله من كل جانب، وليس معه إلا هذا السهم.. ولا أمل له وقد خلت يداه عن أي سبب غيره إلا أن ينجع سهمه ويصيب الهدف؛ حينئذ يرمي به متوكلاً على ربه ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ) (الطلاق:3) ، بكل تركيز وجماع قلبه على سيده ومولاه ( ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاَهٍ ) (رواه الترمذي والحاكم، وحسنه الألباني) ، بكل قوة ( ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ )، ( إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ فَإِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لاَ يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني) ، ومِن ثمَّ يأتي المدد -بإذن الله- وتتغير الموازين -وإن طال الأمر- ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (يوسف:21) .