تأملات حول قوله -تعالى-: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالنفس الإنسانية عميقة لا يبلغ صاحبها غورها؛ إذ فيها دوافع وإرادات، ورغبات وشهوات لا يعلمها إلا الله -سبحانه وتعالى-.
فنحن نعرف أنه كان هناك بُناة للأهرامات، ولكن ما الذي حدث أثناء ذلك تفصيلاً؟ وما الذي حدث في خلجات كل إنسان منهم؟ وما الذي كانت تحدثهم به أنفسهم وهم يعملون هذه الأعمال؟!
ما الذي يحدث في نفس كل طفل فيجعله يبكي ويضحك والناس لا يعرفون، ولا أحد يعرف؟!
دوران الإلكترونات حول الذرة -سبحان الله-.. وإذا ما راقبتها رأيتها تدور في نفس الاتجاه الذي يسبح به كل شيء في الكون.. مثلما يطوف المسلمون حول الكعبة؛ وهو نفس اتجاه دوران الأرض والكواكب حول الشمس؛ فيظهر لنا جليًّا أن خالق الكون واحد.
قال الله -تعالى-: ( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ) (الرعد:9) ، ( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) (الأنعام:73) ، ( قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (سبأ:3) ، ( قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) (الزمر:46) ، ( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) (الحشر:22) ، ( يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ) (سبأ:2) .
فالله -عز وجل- استوى في علمه ما أسر العبد وما أظهر، علِمَ ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. كيف لا وهو الذي خلق وقدَّر؟ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟!
السر وأخفى:
قال الله -عز وجل-: ( يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ) (طه:7) ، فالله -سبحانه وتعالى- يعلم ما أسر العبد وما أظهر، عالم الغيب والشهادة.
والأخفى من السر: هو الذي لا يحيط الإنسان به علمًا، فالسر هو: ما كتمه الإنسان في نفسه، ( وَأَخْفَى ) أي: الأشياء من نفس الإنسان، تخفى عليه ولا يطلع عليها، فالنفس الإنسانية عميقة لا يبلغ صاحبها غورها، ففيها دوافع وإرادات، ورغبات وشهوات لا يعلمها إلا الله -سبحانه وتعالى-، فالله -عز وجل- ( يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى )، والسر هو: ما كان بين اثنين، وأحيانًا يطلق السر على ما كان في نفس الإنسان، فقد يُسِرُّ في نفسه أشياءً، كما قال الله -عز وجل-: ( فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ ) (يوسف:77) ، أما ما هو أخفى من السر فهو: ما في أغوار النفس الإنسانية مما لا يعلمه الإنسان عن نفسه.
فإذا ما جئنا إلى دوافع العمل؛ وجدناها تحتاج إلى تفكير وتذكر من الإنسان؛ لكي يعلم لماذا فعل تلك الفعلة، فنفسه ربما تخفى عليه دوافعها؛ فيجهل لماذا فعل تلك الفعلة؟! ولربما ظن أنه فعلها من أجل كذا.. إلا أنه في الحقيقة يبتغي شيئًا آخر!
ولنأخذ الرياء مثالاً، فلربما تخدع النفس صاحبها وتبين له أنه يريد وجه الله، وهو في الحقيقة طالب لمدح الناس أو الرياسة، فهذه كلها دوافع خفية، ومع بعض من التحليل والتفكير والتذكر والدربة والخبرة؛ لربما أمكن دراسة هذه الدوافع والبحث عنها، ولكن يظل جزءًا كبيرًا جدًّا من الإنسان خفيًا.
(عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ):
إن ما غاب عن العباد أعظم بكثير مما شاهدوه وعلموه، وعندما يتفكر الإنسان في مسألة الكليات والجزئيات التي كان منبع التفكير فيها من كلام الفلاسفة الذين قالوا: "إن واجب الوجود عنده علم بالكليات فقط"! وكذلك قال مَن تبعهم مِن المتكلمين.. وفي الحقيقة كلام المتكلمين عن واجب الوجود إنما هو إثبات ما لا ذات له ولا اسم ولا صفة! وإنما فاض منه العقل الفعال الذي هو المعاني الكلية دون الجزئية! وعندما يتفكر الإنسان يجد هذا الكلام من أسخف الكلام وأسفهه، ويعلم يقينًا مباينة هذه الطريقة في التعامل مع الصفات مع طريقة القرآن والسلف -رضي الله عنهم-.
ولذلك؛ فقد قال أتباع الفلاسفة من المتأسلمين: "إن الله لا يعلم الجزئيات، وإنما يعلم الكليات"! وكما نرى فهي شبهة سخيفة باطلة لا تثمر في الإنسان أثرًا إيجابيًّا أبدًا، وهو كلام باطل مقطوع ببطلانه، فالله -عز وجل- يعلم ما يخفيه الإنسان وما يعلنه، وعلمه يشمل الجزئيات والكليات.
عالِم الغيب: الغيب هو ما غاب عن البشر.. عن حسهم، وسمعهم، وأبصارهم، وسائر أحاسيسهم.
عالِم الشهادة: يعلم ما شاهدوه وما علموه على التفصيل الذي لا يعلموه، فالله -سبحانه وتعالى- هو عالم الغيب والشهادة، وعندما يتفكر الإنسان في عالم الشهادة الذي يراه؛ يجد أنه لا يدري عنه شيئًا، وبالنظر إلى كل مجال علمي من العلوم؛ نجد أن إحاطة أهله إنما هي بالظاهر من العلم.
الطب كعلم مِن علوم الشهادة:
ولنتخذ من علم "الطب" مثالاً لنا فسنجد أن الأطباء يعلمون كثيرًا مما لا يعلمه غيرهم، فهم بالبحث والتحري تارة، وبالتجربة تارة أخرى يَصلون إلى معلومات عديدة؛ فصار عندهم قدر كبير من علم الشهادة إلا أن ما يجهلون أضعاف ما يعلمونه.
علم "الزراعة" و"النبات":
وإذا ما جئنا إلى علم "الزراعة" و"النبات" وأنواع ذلك تجد أن العالِم بشيء من ذلك عنده من أنواع العلوم ما ليس عند غيره، فهو يعرف كيف ينمو النبات وسوقه وأوراقه وثماره، فهذا كله إنما هو من العلوم المشهودة للناس.
علم "الفلك":
يدرك العلماء من الكواكب والنجوم والشهب أنواعًا كثيرة، ويعلمون عن مساراتها ودورانها ومواضعها في السماء الشيء الكثير، وذلك كله لا يعدو نقرة عصفور من بحر علم الشهادة الذي يربو على ذلك أضعافـًا مضاعفة، وذلك كله لا يتعدى حدود السماء الدنيا والأرض التي نعيش عليها، وما وراء ذلك مما غاب عنا أكبر؛ لأن الإنسان كلما صعد في السماء؛ كلما كبرت واتسعت؛ فالسماوات بعضها أكبر من بعض وأوسع، وهي تزداد كبرًا واتساعًا كلما صعدنا.