تأملات حول قوله -تعالى-: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
ولما كان العرش سقف المخلوقات كلها؛ كان أكبرها وأوسعها، والسماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة له كحلقة في فلاة، وما غاب عن العباد من علم الشهادة أضعاف ما شاهدوه، والله -عز وجل- عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم -سبحانه وتعالى-.
البر والبحر:
وفي البر والبحر أنواع مما لا يحيط الإنسان بها علمًا، ولا يعلمها إلا الله -سبحانه وتعالى- مع أنه من الأمر المشهود الذي شاء الله -عز وجل- أن نعلمه.
علْم الله لما كان:
علِمَ الله -عز وجل- كيف كانت الأمور التي حدثت ومضت فيما سبق وجودنا، وهذه الأحداث الماضية اختلف الناس فيها، فبعضهم يقولون: وقع كذا.. والآخرون ينفون قولهم، وهم يعتمدون على الأخبار؛ للتأكد من وقوع هذه الأحداث أو عدم وقوعها، وهذه الأخبار متناقضة، ولا يعلم ما وقع منها إلا الله، فالتاريخ المسجل لنا لا يتجاوز خمسة آلاف سنة كما يُذكر، فضلاً عن أن هذا التاريخ غير مسجل تسجيلاً تامًا.
فقد عاش البشر آلافًا، بل آلافًا مؤلفة من السنين، فقد وُجِدَتْ آثار من سبعمائة وخمسين ألف سنة.. فكم عاش الإنسان؟! وما الذي حدث قبل وجوده؟! وما الذي حدث على وجه الأرض؟!
أشياء الله أعلم بها -سبحانه وتعالى-، فقد علم الله ذلك تفصيلاً، فعلْم الله تفصيلي، أما نحن فلا نعرف إلا الأحداث الإجمالية، فبناء الأهرام مثلاً معرفتنا به كحدث معرفة إجمالية، فنعرف أنه كان يوجد بناة أهرام، ولكن ما الذي حدث أثناء ذلك تفصيلاً؟ وما الذي حدث من خلجات كل إنسان منهم؟ وما الذي كان يُحَدِّث به نفسه وهو يعمل هذه الأعمال؟ وما الذي كان قبل ذلك؟ وما الذي كان بعده؟
الناس تهتم دائمًا بأخبار الملوك، فماذا عن عامة الناس؟ ما الذي حدث في نفس كل واحد منهم؟ بل إن الإنسان ليعجز عن حصر كل ما حدث في كل كلمة خرجت، وكل همٍّ همَّ به، وكل خاطر في نفسه ومشاعره الدقيقة والظاهرة..
طفولة.. ضحك.. بكاء.. أحاط الله بكل شيء علمًا:
ما الذي يقع في نفس الطفل مثلاً فيجعله يبكي أو يضحك؟ لا أحد يعرف عن ذلك شيئًا.. ولا حتى أبيه أو أمه! فهم يرونه يضحك اليوم وأمس، ولكن لا أحد يحصي كم ضحكة ضحكها، فهذا لا يعرفه أحد، وماذا حدث في نفسه؟ فهو نفسه لن يتذكر بعد سنين طويلة، مع أن هذه الأمور قد أحاط الله بها علمًا!
ملائكة - شياطين - حيوانات - حشرات:
سبحان الله! ماذا حدث في نفوس الملائكة من هموم وإرادات وعبادات.. عالم الشياطين وعالم الحيوانات التي في الغابات، وعالم الحشرات لا أحد يبحث عما فعلته هذه الحيوانات أو الحشرات مع بعضها البعض، أو ما الذي جعلها راغبة في شيء أو نافرة وهاربة منه، قد أحاط الله بهذا كله علمًا، فسبحان الذي أحاط بالكائنات وأنواع المعلومات.
يقول علماء الكيمياء: إن ما يُسمى جزيء "البروتين" إنما هو مكون من عدة أنواع من الذرات، وهي -كما تسمى في ذلك العلم-: "الهيدروجين"، "الكربون"، "النيتروجين"، ترتبط مع ما يسمى بـ"الأكسجين" بطريقة معينة، ولو رُكِّبوا بطريقة أخرى؛ لصار سمًّا قاتلاً، وهناك مئات -بل آلاف مؤلفة- من احتمالات التكوين المختلفة.
وإذا ما تفكر الإنسان في الذي كان من الممكن أن يحدث كيف كان سيحدث؛ لَوجَدَ عشرات -بل مئات الآلاف المؤلفة- من الاحتمالات لتكوين الأشياء بغير ما هي عليه.
وقد قال الله -سبحانه وتعالى- في بيان علمه بما لم يكن إذا كان كيف يكون: ( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) (الأنعام:28) .
وقال -سبحانه وتعالى-: ( وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ) (الكهف:80) . فعلم الله ما لم يكن إذا كان كيف يكون، فهذا الغلام إنما طبع كافرًا، فلو كبر؛ لكان كافرًا -أي: باعتبار ما سيكون-، ولأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا، وهذه إشارة إلى علم الله بما لم يكن إذا كان كيف يكون.
وقال -عز وجل-: ( قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) (آل عمران:154) ، فلو أن أحدًا كُتب عليه القتل؛ لبرز إلى مضجعه ولو كان في بيته، ولكن هذا لم يحدث، وإن حدث هذا لعلم الله كيف سيكون، فقد علم الله ما كان وما سيكون، وما لم يكن إذا كان كيف يكون.
الذرة.. -سبحان الله-!
( وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (يونس:61) .
الذرة هي: تلك التي نجدها في الغبار الذي نراه في ضوء الشمس، وإن قذف أحد ببعض التراب؛ فسيجد ألافًا مؤلفة منها، وإن وضع أحد يده على الرمل ثم أخرجها؛ فلن يستطيع أن يعد ما فيها من ذرات، وهذا حجم كف الإنسان، فكيف بالصحاري؟! فكم بها من ذرة من ذرات الرمال؟! وإن تكسرت كم يكون بها من ذرات التراب؟! فذرات التراب أخف من ذرات الرمال، فذرة الرمل الواحدة من الممكن أن تكون آلافًا مؤلفة من ذرات التراب، وفي ذرة الغبار التي يراها الإنسان آلافًا مؤلفة من الأجزاء التي هي أدق من ذلك، والتي ليست لها عندهم تسمية فسموها: "ذرة"، إذن فالذرة هي أصغر شيء عند العرب، فالله -عز وجل- لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين.
ثم هذه الأرض.. كم حجمها بكل ما فيها؟! سبحان الله! والغبار الموجود في السماوات كلها وبين الكواكب ما هو إلا ذرات تتحرك بطريقة الله يعلمها، والغبار الذي في المجرات لا يعلمه إلا الله، والغبار الذي في الأغلفة التي حول الكواكب.. ككوكب "زحل".
كوكب "زحل".. -سبحان الله-!
فكوكب "زحل" تلتف حوله حلقات دائرية ملونة، وهذه الحلقات ما هي إلا ذرات تتحرك، ذرات لا حصر لها عند البشر، ولا يقدرون على عدها، قد أحاط الله -سبحانه وتعالى- بها علمًا؛ لأنه الذي أوجدها -سبحانه-، وجعلها تتحرك بنظام؛ إذ إنها لو لم تكن تتحرك بنظام؛ لما كانت هذه الألوان الجذابة، وهي تدور في ملف دائري متقن محكم لا تخرج عنه منذ آلاف مؤلفة من السنين، والله وحده هو الذي يعلم كم من السنين مرت على هذه الأشياء، وهي بهذا الإتقان التام والإحكام البالغ.