شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات حول قوله -تعالى-: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

دوران الإلكترونات حول الذرة.. والمسلمين حول الكعبة.. والأرض حول الشمس.. -سبحان الله-!

( وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (يونس:61) .

ذكرنا أن ذرة الغبار قد تنقسم إلى ما هو أصغر من ذلك، فقد كتب الله كل ذلك: ( وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ )!

ومِن الأشياء العجيبة التي لم يتعلمها الإنسان إلا بعد آلاف من السنين هو دوران هذه "الإلكترونات" حول الذرة، فقد عرف الإنسان وجود هذه "الإلكترونات" بآثارها، فهو وإن لم يكن يراها إلا أنه كان يرى آثارها.. -فسبحان الله!- عندما يجدها تدور بنفس النظام الذي يدور به كل شيء في الكون، نظام المركز الذي تدور حوله الأشياء في مدارات، مثلما تدور الكواكب حول نجومها، ومثلما تدور "الإلكترونات" حول نواة الذرة، ومثلما يطوف المسلمون حول "الكعبة"، وليس فقط نفس النظام، بل نفس الاتجاه، وهو عكس اتجاه عقارب الساعة، وعندما يرى الإنسان ذلك، بل ويعلم أنها سبع مستويات من الدوران حول النواة، وقد أمرنا الله -عز وجل- أن نطوف حول الكعبة سبع مرات، عندما يرى ذلك؛ يظهر له بجلاء أن خالق هذا الكون واحد، وأن الذي أمرنا بالطواف حول "الكعبة" هو خالق هذا الكون -سبحانه وتعالى- الذي أحاط علمًا بكل شيء!

(يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا):

إن الله يعلم ما يدخل في الأرض مِن ماء الأمطار، وما ينزل من حبات المطر التي تنزل من السماء وتدخل في باطن الأرض، وتستمر في السريان بطريقة معينة حتى تتجمع في أماكن خاصة وتستقر فيها، وتصبح ماءً يجري في الأنهار والعيون.

وهذه الغابات الهائلة الموجودة حول الأنهار الكبيرة، مثل: الغابات الاستوائية في "إفريقيا"، وغابات "الأمازون"، وغابات ربما لم يدخلها الإنسان، فمتى تنبت هذه الأشجار؟ وكيف وصل الماء إليها؟!

وهذه البذور.. ظلت في النبات مدة معينة حتى وصلت إلى الأرض بطريقة معينة، وقد أحاط الله بهذا كله علمًا، ويعلم -سبحانه- ما يدخل في الأرض من فضلات الإنسان.

فعلى سبيل المثال: فإن شعر الإنسان يقع منه عشرات في اليوم؛ فإلى أين يذهب هذا الشعر؟! فكل واحدٍ منا يقع منه شعر بدون أن يشعر؛ بالإضافة إلى ما يخرج من الإنسان مثل: أظافره، والتي يجعلها في مكان حتى يدفنها متبعًا للسنة؛ فأين ذهبت؟! وهل أحد يبحث عن فضلاته كيف انتهت وذهبت في الأرض؟!

ويعلم -سبحانه- ما يدخل في الأرض من أجساد موتى البشر، ومن الحيوانات والنباتات والمخلوقات التي لا يعلمها العباد، فكل يوم يدخل في الأرض أشياء ويخرج منها أشياء، والله -عز وجل- قد أحاط بها علمًا.

وإن الإنسان ليحدث له انكسار -رغمًا عنه-؛ إذا ما تفكر في تلك الأشياء الموجودة بالفعل، وأكثر الخلق لا ينتبهون إليها، فهناك أشياء تدخل وأخرى تخرج في كل يوم وفي كل لحظة.. -سبحان الله-!

فبخار الماء الذي يخرج من الأنهار والبحار والمحيطات، ونباتات الأرض التي تخرج منها، وما يخرج من الأرض من أنواع الكنوز والمعادن والمياه التي تنبع من العيون، ونحو ذلك فكل يوم يخرج من الأرض أشياء قد أحاط الله بها علمًا، فهل هناك مخلوق يحيط علمًا بكل ذلك؟!

وهذه الأشياء موجودة بالقطع، وكل منها بنظام متقَن يجزم بأنها لا يمكن أن تقع مصادفة، ولا يمكن أن تكون عبثًا أو سدى، فقد أحاط الله علمًا بما ينزل من السماء من مطر وملائكة وشياطين، تنزل من السماء إلى الأرض، وما يعرج مِن: ملائكة، وأعمال العباد الطيبة، والخبيثة، والأرواح وصعودها، فمنها ما تُفَتَّحُ له أبواب السماء، ومنها ما يُغلق دونها وترد إلى الأرض ويُلقى بها، والله -سبحانه وتعالى-: ( فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ) (الحج:31) .

فقد أحاط الله علمًا بكل ذلك، فليتفكر الإنسان في أعمال العباد المتفاوتة من خير وشر، وظلم وعدل، وإيمان وكفر، آلاف مؤلفة من البشر تصعد أعمالهم إلى السماء كل يوم، بل كل لحظة من اللحظات.

وكيف لا وهو الذي خلق وقدَّر؟!

( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى . الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى . وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ) (الأعلى:1-3) ، جعل الله -سبحانه- كل شيء بمقدار، فهو الذي خلق، وهو الذي قدَّر -سبحانه وتعالى-.

(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ):

يقول الله -عز وجل-: ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (الملك:14) ، ولهذه الآية تفسيران:

أما الأول: ألا يعلم الذي خلقهم، فتكون ( مَنْ ) مفعولاً به، فاعل ( يَعْلَمُ ) ضمير مستتر تقديره: "هو"، و( مَنْ ) في محل نصب مفعول به لتكون الآية بمعنى: ألا يعلم الذين خلقهم، وهو اللطيف الخبير.

وأما التفسير الثاني لها: أن ( مَنْ ) فاعل الفعل ( يَعْلَمُ ) فتكون ( مَنْ ) ضمير ظاهر في محل رفع فاعل، وتكون الآية بمعنى: ألا يعلم الخالق، والمفعول به مقدر عائد على مخلوقاته.

واللطيف: فيه معنى الخفاء؛ حيث إن الله يدبر ويقدر سائر الأمور مِن حيث لا يشعر البشر، وقد أحاط الله علمًا بذلك مِن حيث لا يعلمون -سبحانه وبحمده-.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة