شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هل شرب الماء يفطـِّر الصائم؟!

إيهاب الشريف • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا شك أن الجميع يعلم إجابة هذا السؤال، بل البعض ربما استنكره؛ ليسره وسهولته، وأقول للقارئ الكريم: مهلاً.. مهلاً.. فإن العجب في أيامنا هذه لا ينقضي، ويومًا بعد يوم ترى ما لم يكن متوقعًا، ولعلك تعذرني في سؤالي بعد استكمال قراءة مقالي.

الماء مِن نعم الله -عز وجل- علينا، وشربه حلال في سائر الأوقات والأيام ما لم يكن العبد صائمًا، فإذا صام حرم عليه الطعام، والشراب، والجماع، وسائر المفطرات.. قال -تعالى-: ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ) (البقرة:187) ، وهذا أمر معلوم أيضًا، لكن التناقض فيمن يلتزم بهذا الحكم، أعني تحريم الماء الحلال على الصائم، ويتهاون بالحرام!

وأوضح أكثر فأقول:

شرب الماء حلال في غير الصيام، لكنه حرام في الصيام، لكن النوم عن الصلاة وتأخيرها عن وقتها حرام في الصيام وفى غيره، بل من الكبائر، والغيبة حرام، وهي: ( ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ ) (رواه مسلم) ، وهي من الكبائر أيضًا، واستماع الغناء محرم في الصيام، وفي غيره؛ لقوله -تعالى-: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (لقمان:6) ، قال ابن مسعود -رحمه الله-: "والله الذي لا إله إلا هو إن ذلك هو الغناء".

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ ) (رواه البخاري معلقًا مجزومًا به، ووصله الطبراني وغيره، وصححه الألباني) ، ولا عبرة بقول مَن أجازها؛ فإنما هي زلة من الزلات.

والنظر إلى مفاتن النساء وهضم حقوقهن والإساءة إليهن حرام في الصيام وغيره.. والغش، والرشوة، والإهمال في العمل حرام في الصيام وغيره، وهلم جرًا.. أليس من التناقض أننا نمتنع عن الحلال (طعام - شراب - جماع) بسبب الصيام، ثم نقع فيما حرمه الله علينا في رمضان وغير رمضان؟! أليس عدم امتثالك لأوامر الله بفعلك هذه الأمور المحرمة في كل وقت مع امتناعك عن الحلال -امتثالاً لأمره- يشكّل تناقضًا صارخًا يصعب تفسيره؟!

ماذا استفدنا من الصيام إذن؟!

ماذا تعلمنا من مدرسة الثلاثين يومًا؟ أو ليس الهدف من الصيام التقوى ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:183) ؟! فأين اتقاء ما حرم الله مخافة عذابه -سبحانه-؟! هلا فهمنا المعنى الحقيقي للصيام فانطلقنا في تغيير النفوس وإصلاحها؟!

هل استعنا بالله -تعالى- ثم بما يسره لنا من تحريم الحلال (طعام - شراب - جماع)؛ لننتصر على النفس الأمارة، ونخضعها لسلطان القلب مرة أخرى؟!

وحتى تتضح لنا معالم خطة الإصلاح وعملية التهذيب، أقول:

والناس مع نفوسهم على مراتب ودرجات: فمن الناس مَن ملك قلبه نفسه وأخضعها لإمرته وقهرها -أعني النفس الأمارة- فصارت وزير صدق له، معاونة له على طاعة الله -عز وجل-؛ فبعد أن كان يرغمها على الطاعة ويكرهها على فعلها، وهي تنفلت منه؛ أصبح إذا أمرها بها بادرت إلى فعلها، فإذا قال لها: صومي. قالت: ما ألذ الصيام. وإذا سألها النفقة. قالت: ما أجمل مواساة الفقراء. جاهدي.. بادرت.

فإن أتاها الشيطان يأمرها بالمعصية كنظرة محرمة أو كلمة آثمة. قالت: أعوذ بالله، وكيف أتحمل هذا الأذى؟ وهل في الخلق مَن يرتاح لسماع هذه الأصوات المنكرة من غناء وغيره.. ؟! وهل يوجد من يتسلى برؤية المناظر الفاضحة العارية؟! بل لو وقع النظر -رغمًا عنها- على هذه الصور تألمت أشد الألم وشعرت بالحزن والضيق! أما دعت أم جريح على ولدها ألا يموت حتى يرى وجوه الزانيات؟! فإذا كان النظر إلى وجه الزانية عقوبة؛ فكيف بالنظر إلى ما زاد على ذلك من الأجساد العارية كما في المواقع الإباحية؟! إنها عقوبة إذن وليست مسرة.

إنها النفس المطمئنة والتي لا يصل إليها العبد إلا بعد المجاهدة والتهذيب والاجتهاد في طاعة الله -عز وجل- (علمًا وعملاً ودعوة)، قد صارت الطاعة عندها ألذ الأشياء، قد أصبحت العبادة لها كالماء والهواء.. اللهم ارزقنا نفوسًا مطمئنة.

ومن الناس مَن قلبه مع نفسه في صراع ونزال، يغلب مرة وتغلبه مرة يحافظ على الطاعات أحيانًا، وتجذبه الشهوات أحايين، يحاول أن يرقى بروحه إلى الملأ الأعلى ونفسه تشده إلى الأرض وتجذبه إليها، فهذا على خير ولا عليه إلا أن يزيد من استعانته بالله وحسن التوكل عليه، والتضرع وسؤال النصر والغلبة مع الاجتهاد في الطاعات واتقاء المحرمات، والأهم في ذلك كله ألا ييأس فيترك المجاهدة ويستسلم! وهذه هي النفس اللوامة.

وقسم ثالث غلبتهم نفوسهم وقهرتهم وأسرت القلوب، فصار القلب الذي هو محل نظر الرب -سبحانه-، ومحل الإيمان والعلم، والحكمة والنور والهدى؛ صار مأسورًا محبوسًا! أمره لا ينفذ في مملكته! لا سيطرة له على الجوارح والأعضاء فإذا أمر العين بالغض عن الحرام لم تطاوعه، وإذا نهى اليد عن لمس الحرام وتناوله لم تستجب له، بل إن النفس تزين لجوارحه فعل تلك الآثام، ومِن وراء ذلك الشيطان اللعين؛ فصار الأمر والنهي والتحكم للنفس الأمارة بالسوء، ومع طول الأسر والحبس قد ينقلب الأمر، ويزداد الحال سوءًا فيرى المنكر معروفًا والمعروف منكرًا.

فبعد أن كان يقاوم تلك الآثام صار يحاجج ويجادل مَن ينهاه عنها (الانتقال من اللوامة إلى الأمارة) وهذا مكمن الخطر؛ إذ القلب قد انتكس! فصار كما وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- قلب المنافق: ( كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ) (رواه مسلم) ، ( مُجَخِّيًا ): مقلوبًا.

الصفحة التالية