هل شرب الماء يفطـِّر الصائم؟!
إيهاب الشريف • التزكية
صار ما تأمر به النفس هو الحق! انهزم القلب في المعركة! أصبح يرى الحق باطلاً والباطل حقًا! فلا تعجب إذن إن سمعت من يقول تحكيم الشريعة ظلم للشعوب، والحدود وحشية وبربرية، أو من يرى حكم غير الله ديمقراطية حضارية! وموالاة الكفار مصلحة ومنفعة، والذل لأعداء الله نجاة وحماية! وغير ذلك.. من المفاهيم المعكوسة التي تدلك على الهزيمة والانتكاس القلبي الذي جعلهم يرون الطاعة (من صلاة في المساجد، وحج، وغير ذلك.. ) خطرًا على الأمة، بل وضررًا! ويرون المعصية على العكس من ذلك -نعوذ بالله من الخذلان والحرمان-!
والسؤال الخطير هنا -لي ولكَ أيها القارئ الكريم-:
هل أنت ممن تحكم في نفسه الأمارة بالسوء أم تحكمت هي فيه؟ هل وجدت لذة العبادة؟ هل ما زلت تُكره نفسك عليها؟ هل تغلب نفسك أم تغلبك؟ هل تتعب بدنك في الأخذ بدين الله تعلمًا وعملاً ودعوة أم تؤثر الراحة والسلامة؟ أم مازلت مع نفسك في نزال وسجال تغلبها مرة وتغلبك مرة أخرى؟ أم كانت أخطر المراتب: أسر القلب وحبسه ولربما كان الانتكاس والانقلاب عياذًا بالله -تعالى-؟!
على كل الأحوال.. فنحن الآن في فرصة عظيمة، وجولة من جولات الصراع مع النفس والتحكم فيها.. جولة فيها من المعونات ما فيها، فالشيطان تسلسل وتصفد ( وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ ) (رواه مسلم) ، وهو العدو الأول وأبواب النار تغلق ( وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ )، وأبواب الجنة تفتح ( فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ )، والناس وثّابين إلى الخير حريصين عليه.
أما العدو الثاني (النفس): فهي في أضعف حالتها؛ إذ الصيام يمنعها شهواتها الأصلية "طعام - شراب - شهوة"، ( يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي ) (متفق عليه) ؛ فهل فرصة أعظم من هذه الفرصة لتحقق نصرًا على نفسك وشيطانك؟!
فأنت في رمضان لا تأكل ولا تشرب من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، فلم يعد الأمر إذن كلما اشتهيت الأكل أكلت، أو الشرب شربت، بل تتعلم التحكم في النفس وتقوية الإرادة فتأكل إذا أُذن لك، وتمتنع إذا منعت، وتتحمل ألم الجوع والعطش لله -تعالى-، ولو تأملت آيات الصيام، وبعد ذكر الرخصة للمريض والمسافر نجد قوله -تعالى-: ( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (البقرة:184) ، فكأنها إشارة إلى أن الأفضل الصيام لمن أطاقه، ولم يلحق به ضررًا.
ولعل هذا أيضًا هو السر في كون أفضل الصيام صيام داود -عليه السلام- كان يصوم يوم يومًا ويفطر يومًا؛ لأنه أشق على النفس بمصادفة مألوفها يومًا ومفارقته يومًا آخر، تُعطى يوم الفطر حظها، وتستوفي يوم الصيام تعبدها، فتجمع بين ما لها وما عليها وهو العدل، وتدور بذلك بين الشكر والصبر، والإيمان نصفان: شكر وصبر.
وبتقوية الإرادة يتحرر الإنسان من أسر العادة، ومع طول فترة التغيير وشمولها للكثير من أنشطة الحياة (مواعيد النوم والاستيقاظ، أوقات الطعام والشراب.. )، وكذلك كثرة السابحين معك في نفس التيار، هذا كله يعينك على كره قيد العادة، والخروج على المألوف.
يقول الإمام المناوي -رحمه الله-: "وإنما شرع الصوم كسرًا لشهوات النفوس، وقطعًا لأسباب الاسترقاق والتعبد للأشياء، فإنهم لو داموا على أغراضهم؛ لاستعبدتهم الأشياء، وقطعتهم عن الله، والصوم يقطع أسباب التعبد لغيره، ويورث الحرية مِن الرق؛ لأن المراد من الحرية أن يملك الأشياء ولا تملكه؛ لأنه خليفة الله في ملكه، فإذا ملكته فقد قلب المملكة، وصيّر الفاضل مفصولاً، والأعلى أسفل" انتهى .
وهذه مِن أحلى أعطيات رمضان، وأجل تدريباته، وخلال 30 يومًا يتخرج العبد بنفس جديدة.. نفس طيّعة منقادة، صار يتحكم فيها بعد ما كانت تتحكم هي فيه، صار يستطيع أن يقول لها: "لا" حين تكون معصية أو مخالفة، وإذا كان قد صبر عن شهواته الأساسية؛ أفلا يصبر عما هو أقل منها؟!
فيا مَن امتنع عن شرب الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي.. الماء الذي قد يصبر الإنسان عن الطعام ولا يصبر عليه، ومع ذلك يمتنع عن شربه من الفجر إلى المغرب.. يا مَن استطعت ذلك وانتصرت في هذه المعركة.. أمامك حرمات أخرى وقوعك فيها يذهب أجر صومك: كالغيبة، والنميمة، وسائر أنواع الفحش، وبذاءة اللسان؛ يقول -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ) (رواه البخاري) ، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: ( رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، بل يوضح -صلى الله عليه وسلم- المعنى الحقيقي للصيام فيقول: ( لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، فَإِنْ سَابَّكَ أَحَدٌ أَوْ جَهِلَ عَلَيْكَ فَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ ) (رواه ابن حبان والحاكم والبيهقي، وصححه الألباني) .
قال: ( لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ.. ) ألا تفجع هذه الجملة أصحاب الصيام عن الطعام والشراب الذين لا يتورعون عن المحارم؟!
ألا تفجع هذه الجملة مَن يتهاون بالصلاة، ومَن تركت الحجاب، ومَن يرسل لسانه يفري في لحوم الناس، ومَن يسلي صيامه -زعم- بما حرم الله؟!
ثم أكمل الحديث: ( إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ )، واللغو ما لا نفع فيه ولا فائدة، بل ينبغي أن يُلغى ويُترك، وكم في رصيد كلامنا مثل ذلك وأثقل؟ بل إذا شتم الصائم أحدٌ لم يرد عليه بأكثر من قوله: ( إِنِّي صَائِمٌ )، أي تربية هذه على حسن الخلق؟!
إنه الفم الطيب الطاهر الذي رائحته أطيب عند الله من ريح المسك، وهل تفوح ريح المسك عمن اشتغل بأكل لحوم الناس والوقوع في أعراضهم؟!
وهل يكون صيامه جُنة بهذه الصورة؟ كلا بل إن حسناته عليه تضيع، وأجره ينمحي ويضمحل؛ فلا ثواب له على هذا الصيام، وهو غير مقبول عند الله -عز وجل-؛ لأنه أفطر بقلبه، وإن لم يفطر بفمه وبطنه.