هل شرب الماء يفطـِّر الصائم؟!
إيهاب الشريف • التزكية
هل ينتظر مَن يقع فيما هو أشد من الزنا ثوابًا على صيامه؟! يقول -صلى الله عليه وسلم-: ( الرِّبا اثْنانِ وَسَبْعُونَ بَابًا أدْنَاهَا مِثْلُ إِتْيانِ الرَّجُلِ أُمَّهُ، وَإِنَّ أَرْبَى الرِّبَا اسْتِطالَةُ الرَّجُلِ فِي عَرْضِ أَخِيهِ ) (رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني) ، فأشد الربا الذي أدنى مراتبه مثل إتيان الأم -أي الزنا- أشد الربا الوقوع في عرض المسلم!
ثم نبشِّر هؤلاء بصورتهم يوم القيامة، والتي جاءت في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَمَّا عَرَجَ بِي رَبِّي -عَزَّ وَجَلَّ- مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ مَنْ هؤُلاَءِ يَاجِبْرِيلُ؟ قالَ: هؤُلاَءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ في أَعْرَاضِهِمْ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
فهل تحتمل؟ إذن فلتجاهد نفسك في التخلص من هذا المرض الخطير! ولتجاهد نفسك أيضًا أيها الصائم.. يا مَن يريد صون رمضان مِن سائر ألوان العصيان، لتجاهد نفسك في غض البصر فإن زنا العين النظر كما صرح بذلك رسولنا -صلى الله عليه وسلم-، بل بدأ به الحديث؛ لأنه أصل زنا اليد والرجل والفرج، يقول -صلى الله عليه وسلم-: ( كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنْ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ ) (رواه البخاري ومسلم) .
وما قلناه حول الطعام والشراب نقوله حول الزوجة؛ فقد حُرّم على الصائم الجماع في نهار رمضان، وهو حلال للزوجين في ليل رمضان؛ فليكن المنع منه نهارًا تدريبًا لنا على ضبط الشهوات، خاصة أخطرها شهوة الجنس، والتي أشار نبينا -صلى الله عليه وسلم- إليها بقوله: ( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ) (متفق عليه) .
والعين مرآة القلب فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته، والله لم يكلفنا ما نعجز عنه أو ما لا نطيق؛ ولذا إذا وقعت عينك بغير قصد على صورة محرمة أو منظر كذلك فبادر إلى صرفه عنها ولا شيء عليك: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) (النور:30) .
أيها الحبيب: مَن أطلق بصره أتعب خاطره، ومن كثرت نظراته ضاعت أوقاته ودامت حسراته، فيا من يريد النجاة والسلامة غض بصرك وأقصر عن محارم الله طرفك، ولا تقلل من شأن النظر وتستصغره فإن كل الحوادث مبدؤها النظر، ومعظم النار من مستصغر الشرر. تكون نظرة ثم خطرة، ثم خطوة، ثم خطيئة -عافاني الله وإياك من السوء-.
ثم نختم مقالنا بما يختم به رمضان من الرحمة العظيمة والغنيمة الباردة، فخير رمضان في آخره إذ فيه ليلة القدر أعظم ليلة في السنة كلها، ولقد شرع لنا الاعتكاف لتحريها والتماسها فلا تحرم نفسك منه، فهو نعم العون لك على طاعة الله إذ تمكث عشرة أيام في بيت الله تصحب الصالحين وتتعلم منهم، وتتعاون معهم على طاعة الله، وتحفظ بصرك ولسانك عما حرم الله، وهو علاج ناجح لآفات اللسان وشره، وكذا صحبة السوء والكثير من العادات الضارة، بل المحرمة كالتدخين وغيره، وهذا بشرط أن تحقق المعنى الصحيح للاعتكاف إذ هو أنس بالله -تعالى- وخلوة به واجتهاد في ذكره وطاعته، وجلسات محاسبة ومراجعة، ودمعات حارة على ما فرط العبد في جنب الله وتوبة وإنابة، وعَزَمات صلبة لمواجهة الواقع المنحرف عند الخروج، بل وتغييره؛ وهذا هو الاعتكاف المثمر.
أحبتي في الله: هكذا نعيش رمضان فيغيرنا إلى ما يحب الله -تعالى- ويرضاه.
أيها الكرام: إن شجرة التقوى التي تساقطت أوراقها طوال العام قد حان وقت إنباتها وإثمارها كي نستمتع خلال عامنا بظلها الوارف ونقتطف ثمارها الدانية من خشية الله -عز وجل-، والحرص على مرضاته وقربه، وتعلم الدين ونشره.
فهل من مشمر؟!
نسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.