تأملات في اسم الله "العليم"
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
وهذا فيما يتعلق بمفاتح الغيب التي ذكرها الله -عز وجل- في كتابه، إذ قال: ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (الأنعام:59) ، وإن العبد لا ينتهي تعجبه لما يتأمل هذه المعاني التي ذكرها الله -عز وجل-.. فكم من ورقة تسقط؟ وكم مرة تتقلب فيما بين سقوطها من الشجرة إلى سقوطها على الأرض؟! أحاط الله -عز وجل- علمًا بذلك، وما أحاط به العباد.
( وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ ): فقد كتب الله في الكتاب المبين كل شيء يبقى حيًّا رطبًا أو ييبس فيموت، فقد علم الله -سبحانه وتعالى- تفاصيل كل شيء من خلقه.
فما مِن جبل إلا ويعلم ما في وعره -في بطنه-، ولا يحيط البشر علمًا به، وما من بحر إلا ويعلم ما في قعره -أي باطنه-، ولا يحيط علم العباد بذلك، وإذا علموا شيئًا مِن ذلك فهو بالنسبة إلى ما يجهلونه كالنقطة في البحر، كما قال الخضر لموسى -عليهما السلام- حين وقف عصفور على السفينة فأخذ قطرة من البحر فقال: ( مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ ) (رواه البخاري ومسلم) .
قال -تعالى-: ( وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ )، كل هذه المعاني أشار إليها القرآن، فانظر إلى هذه الكائنات المختلفة وما تحمله في بطونها، ليس فقط الإنسان، ولكن جميع الإناث من سائر الكائنات، لا تحمل ولا تضع إلا بعلمه -عز وجل-، فقد علم -سبحانه وتعالى- كل شيء عن هذا الكائن، فالله -سبحانه وتعالى- يعلم عمله ورزقه، وشقي أم سعيد؟ ويعلم هذا الجنين: أذكر هو أم أنثى؟
وعصف ببعضهم الشك فقال: "قد علمنا بالطب الحديث نوع المخلوق في بطن الأنثى: أذكر أم أنثى؟".
وذلك في الحقيقة من الجهل بما ذكر الله -عز وجل-، وبما اطلع عليه الناس في المعارف الحديثة، فعلم الإنسان بما في بطن الأنثى إنما يكون بعد تكونه وحصوله، أما علم الله -عز وجل- فسابق على وجوده، فإنما يأمر الله الملك أن يشكله ذكرًا أو أنثى.
وما يظنه البعض من أن الإنسان إنما نوعه محدد قبل وجوده -أي: قبل وجود الجسد والأعضاء-، وأنه يمكن أن نعرف ذلك بأن تحلل -مثلاً- الخلايا، ويُعرف إذا كان ذكرًا أم أنثى؟ وظنوا أن ذلك يعارِض ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فذلك بسبب قلة العلم، بل إنه كلما اتسع علم الإنسان؛ كلما علم صِدْق ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فحقًا إن الإنسان إنما هيئ ليكون أحد النوعين منذ أن التقى الحيوان المنوي بالبويضة كان مهيئًا لأن يكون ذكرًا أو أنثى بحسب نوع "الكروموسومات" -كما يقولون- في الحيوان المنوي، أهي "كروموسومات" ذكر أم أنثى؟ ولكن مع ذلك لا يستطيع أحد أن يجزم بنوع الجنين في المراحل الأولى قبل تكون الأعضاء، وهو علم الغيب الذي استأثر الله -عز وجل- به.
وهذه "الكروموسومات" قابلة للتغير في الأسبوع السابع، كما اكتشفوا ذلك مؤخرًا؛ إذ يفرز نوع من الهرمونات والإنزيمات تتحكم في التشكيل بأمر الله -سبحانه وتعالى-، وهو الذي ينبني عليه تشكيل الأعضاء الذكرية أو الأنثوية، فإذا كان تركيب الجين أنثويًّا فإنه يترتب على هذا الهرمون أو الإنزيم أن تنمو الأعضاء الذكرية أو الأنثوية، فلو كان التركيب أنثويًا ولكن نقص هذا الهرمون فإنه يترتب عليه أن تنمو الأعضاء الذكرية ويصبح ذكرًا وإن كان تركيبه الجيني أو الكروموسومي تركيبًا أنثويًّا، وكذا بالعكس: لو كان تركيبًا ذكريًّا، ولكن نقص هذا الهرمون فإنه يترتب عليه تكوُّن الأعضاء التناسلية تكوّنًا أنثويًّا. فهذا الأمر عجيب للغاية! رغم أن الناس ظلوا لفترة ليست بالقصيرة يظنون أن مجرد تلقيح البويضة بحيوان منوي معين يترتب عليه تحديد جنس الجنين، فليس الأمر كذلك، بل هناك عوامل أخرى.
والعجيب.. أن ظهور هذا الأمر وظهور هذه العوامل الأخرى إنما يكون في الأسبوع السابع! مصداقًا لما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: ( إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً؛ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا، وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا ) (رواه مسلم) .
فبعد اثنين وأربعين يومًا -أي: بعد ستة أسابيع بالضبط-، بعد هذا التاريخ يبدأ تشكيل الأعضاء الأنثوية أو الذكرية، فتشكل الأعضاء خلال الأيام والأسابيع الأولى موجود، ولكنه متماثل تمامًا بين الذكر والأنثى بلا أدنى فرق إلى أن يبدأ الأسبوع السابع فتبدأ الأعضاء في التغير، فهذا يتجه إلى الذكورة وذلك إلى الأنوثة.
والأغلب الأعم أنه بحسب التركيب المعتاد في النطفة الأولى، ولكن من الممكن أن يتغير، فمن الممكن أن يأخذوا عينة من الجنين وهو ذكر ويكون تركيب الخلايا تركيبًا أنثويًّا، وذلك لأنه في عمر الاثنين والأربعين يوم أو الستة أسابيع كانت نسبة هذا الهرمون مرتفعة، وكان تركيب الخلايا أنثويًّا، فلما زاد عنده؛ أصبحت خلاياه ذكرية وإن كان لا يلد ولا يكون مؤهلاً للولد، وإنما يكون عقيمًا.
فسبحان الله! كلما ازداد علم الإنسان بشيء؛ ازداد يقينًا بأنه يجهل، وأما الكفرة والزنادقة وأنصاف المتعلمين -بل أرباعهم، بل أدنى من ذلك- فهم الذين يظنون أن العلم الحديث أوشك أن يصنع ذبابًا! حتى إن كافرًا منهم في يوم من الأيام قال: "إن العلم الحديث أوشك أن يصنع ذبابًا"! وهذا من عظيم جهله؛ إذ إن العلم كلما تقدم يجزم أهله بأننا لا نستطيع أن نعمل شيئًا مثل صنع الله -سبحانه وتعالى-، ولا قليل منه، ولا أدنى من ذلك.