شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في اسم الله "العليم"

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

فالذي يستطيعه البشر هو أن يوفروا الظروف المهيئة؛ كي تستمر عملية الخلق كما أراد الله -عز وجل-، ومِن ثَمَّ فعلم الإنسان يجب أن يكون دافعًا له لزيادة إيمانه، فكلما ازداد علمًا؛ ازداد إيمانًا ويقينًا بأن هناك إتقان تام، وهذا لا يمكن أن يصدر عن صدفة -كما يزعمون بجهلهم-، ولكنه الطمس على البصيرة، ولولا ذلك؛ لكانت هذه العلوم بما في رحم كل أنثى وما تحمل وما تضع سبيلاً لإيمان من يؤمن، ولكن ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ) (البقرة:7) .

فالإنسان إذا تأمل في قوله -تعالى-: ( وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ) (فاطر:11) ، فلا ينبغي أن ينصرف خاطره إلى هذه الجزئية الصغيرة فقط -التي هي سبب الذكورة والأنوثة-؛ فضلاً على أن ذلك الأمر -أيضًا- قد أحاط الله -عز وجل- به علمًا، والبشر لا يعلمونه إلا بعد أن يكوِّنه الله، وبعد أن يقع كسائر المعلومات التي لا يعلمها الناس إلا بعد أن تقع، ولو علموا لم يعلموا منها إلا شيئًا يسيرًا شاء الله لهم أن يعلموه، فضلاً عن أنهم لا يعلمون عنها كل التفاصيل.

يقول الله -عز وجل-: ( وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) (فاطر:11) ، فأما النقص في العمر والزيادة فيه؛ فهذا من جنس ما لم يكن لو كان كيف يكون، نعني أنه نقص نسبي، وكذا الطول والتعمير، فقد يكون العمر نسبيًّا -أي: بالنسبة إلى ما كان يمكن أن يقع لو لم يكن ذلك بشيء-، فالله -عز وجل- يقدر الأمور بأسبابها، وهو أعلم بما يكون عليه الأمر لو لم تقع هذه الأسباب.

فهذا قد زاد الله في عمره؛ لأنه وصل رحمه، فعمره في علم الله الأول كذا من السنين الطوال، فالله قدَّر له في الأصل عمرًا بلا سبب، وآخر طويلاً بسبب أنه واصل لرحمه بار بوالديه، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ، أَو يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ) (متفق عليه) .

ولو أطاع قوم نوح الله؛ لأخرهم إلى أجل مسمى، ولكنهم عصوا الله فنقصت أعمارهم عما كان من الممكن أن تكون لو أنهم أطاعوه.

ولو لم يعط آدم -عليه السلام- ابنه داود أربعين من سنة من عمره -كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح-؛ لظل عمره بلا نقصان.

فالأمور بأسباب، وبعضها بغير سبب، بل هي هبة من الله -عز وجل-؛ ولذلك نقول: "إن النقص هنا على حقيقته، ولكنه نسبي". والبعض يقول: "إن الزيادة والنقصان في البركة بزيادة البركة أو قلتها"، وهذا وإن كان صحيح المعنى، ولكن اللفظ يحتمل أوسع منه، وهو ما ذكرنا من معناه الحقيقي من التعمير، فالزيادة والنقصان حقيقة نسبة إلى ما كان يمكن أن يقع لو غيَّر الله هذه الأسباب، كما نقول -مثلاً-: ماذا لو لم يقتل القاتل المقتول؟ الله أعلم، فقد علم -سبحانه وتعالى- ما لم يكن لو كان كيف يكون؛ إلا أن مَن كتب الله عليه القتل فلا بد أن يخرج إلى مضجعه؛ ليقتل ( قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) (آل عمران:154) .

فإذا كان الله قد كتب القتل على الإنسان فنجا ممن يريدون قتله؛ لأدركه في النهاية واحد يقتله -لأنه مكتوب عليه القتل-، فلا بد أن ينال ما قدَّر الله له، وما كتبه -سبحانه وتعالى-، وأما إذا لم يقع ذلك كله فلا ندري؛ لأننا لا نعلم ما الذي كتبه الله -سبحانه وتعالى- لنا، فقد علم الله ما لم يكن لو كان كيف يكون!

فإذا سئلنا هذا السؤال الذي داعب أذهان البعض منا: "ماذا لو أن القتيل لم يقتله القاتل؟". فلا نقول: "كان مات وحده"، ولكن نقول: إنه من الممكن أن يموت وحده، أو يتأخر؛ لأن الله هو الذي يعلم أجله إذا لم يقتله القاتل.

فكل هذه الأمور مقدرة بأسبابها، والله -عز وجل- هو الذي أحاط علمه بذلك -سبحانه وتعالى-، وقد كتب ذلك في اللوح المحفوظ، فكتب مقادير الخلائق، وكتب أسبابها.

( إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) (فاطر:11) .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة