قبل أن تُسودوا
وائل سرحان • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن أمر أمتنا اليوم عظيم، وأعباء إخراجها من وهدتها جسيمة، ومسؤوليتنا إزاء ذلك ضخمة، وهذه المسئولية وتلك الأعباء ليست مسئولية فرد دون فرد، إنها مسئولية الجميع، جماعات وأفرادًا، شيبًا وشبانًا، رجالاً ونساءً.
سيسأل كل منا عن هذه المسئولية فالمرء سيسأل عن نفسه وعمله فقط، لن يسأل أعمل غيرُه أم جبن عن العمل، قال -تعالى-: ( أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى . وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى . وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى . ثُمَّ يُجْزَاهُ الجَزَاءَ الأَوْفَى ) (النجم:38-41) ، فكل منا سيقف بين يدي ربه -جل شأنه- فردًا، وسيُسأل فردًا عما عمل ( وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ) (مريم:95) .
فعلينا أن نبذل وننفق من النفس والنفيس دون أن نلتفت إلى غيرنا اجتهد أم قصر، تفانى أم تقاعس، عمل أم لم يعمل، وعلينا ألا ننظر إلى المتساقطين على الطريق، والنتائج أمرها موكول إلى مسبب أسبابها: ( إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البَلاَغُ ) (الشورى:48) ، وقال: ( لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ) (البقرة:272) .
إن نصرة هذه الأمة بدين الله وتحمل تبعات هذه المهمة الضخمة هي وظيفتنا في هذه الحياة فهي جزء من عبوديتنا، وهذا هو قدرنا ولا خيار في قبوله أو رفضه، هذه المسؤولية تفرض على كل منا أن يبادر إلى الدعوة إلى الله والعمل لدينه، فكم نحن بحاجة إلى من يحمل هم هذا الدين، يبيت على هم هذه الأمة ويصحو على الأمل والسعي في نصرتها، فإن نصر أمتنا ينبغي أن تتوفر له همم سامقة وعزيمة لا تفل، وعمل دءوب لا يمل.
غير أن هذه المهمة الهامة لا يصلح لها كل مَن ادعاها، فـ"ريادة الإصلاح والبناء منزلةٌ في الدين عظيمة لا تُنال إلا بحقها"، فقد شاء الله أن يكون نصر دينه على أفراد اصطفاهم أو طائفة اجتباها، فلابد للقائم بها من صفات خاصة وسمات معينة حتى نرث الأرض وتكون لنا العاقبة وها هي الصفات والسمات، قال -تعالى-: ( اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (الأعراف:128) ، ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (الأنبياء:105) .
فلابد لمن تعرض لهذه الوظيفة الشريفة من إعداد وتأهيل حتى يستطيع تحمل ثقل هذه الأمانة فلابد له من الإعداد الذاتي أو التربية الذاتية (الفردية)، وهذه ليست هينة، فهي تحتاج إلى الصبر على عقبات الطريق وفقد الرفيق، والمثابرة على إعداد النفس، وتحتاج إلى فقه البناء المتدرج المتكامل.
وهذه التربية الذاتية لها أسس تقوم عليها، أولها: "الإعداد العلمي"؛ لذا كان البخاري -رحمه الله- مسددًا فقيهًا حين عنون لباب العلم بهذه الترجمة: "باب العلم قبل القول والعمل"، فكل عمل ودعوة لا تقوم على العلم والفهم دعوة بها خلل وقصور، تُفِسدُ أكثر ممّا تُصلِح، وقد تجلب على الدعوة عواقب وخيمة وآثارًا موجعة، والعلم والفقه في الدين يتطلب نفسًا جادة، تتحمل مشاق تعلمه، ومعاناة طلبه، وتعب تحصيله، والصبر على التلمذة والتأدب على يد شيوخه وأساتذته.
فالإعداد والتربية العلمية مطلب ضروري ومُلِحٌّ للبناء الذاتي لمن أراد أن يتحمل تبعة نصرة الأمة وحراسة الدين، وهو مطلب لا غنى عنه لأي داعية يُعِدُّ نفسه ويُهيئها لنفع أمته؛ ليكون بصيرًا في دعوته، عالماً بما يدعو إليه، مثمرًا في عمله، ناجحًا في أسلوبه، ثابتًا على منهجه.. ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ) (يوسف:108) .
ولعل هذا مما عناه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه بقوله-: "تفقهوا قبل أن تسودوا". وهذه التربية الذاتية لصاحب هذه المهمة لها أسس أخرى هامة، أسس تعينه على عناء الطريق وعقباتها وآفات النفوس وأمراضها، منها: التقوى، والتحصن بالعبادة، فالاستقامة على هذا الدين، والصبر على العمل من أجله تحتاج إلى زاد ووقود يغذي القلوب للاستمرار والثبات، ولا زاد ولا وقود كقيام الليل وترتيل القرآن بالأسحار.
من أجل ذلك أوجبه الله -جلت حكمته- على رسوله -صلى الله عليه وسلم- وعلى المؤمنين الأوائل فقال -سبحانه-: ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً . نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً . أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً . إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلا ً) (المزمل:1-5) ، ( قُمِ اللَّيْلَ ): "قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، والعبء الثقيل المهيأ لك.. قم الليل حتى تستطيع الجهد والنصب والكد والتعب.. قم فتهيأ لهذا الأمر، قم الليل للاستعانة على ما سيواجهك من أعباء الدعوة ومشكلاتها بالعبادة المتواصلة" (الظلال بتصرف واختصار) .
فعلى صاحب هذه المهمة السامية، العلية العالية أن يحسن الإعداد في بداية التهيؤ لها، فإن الأمر جلل، فهو لا يسعى ليصنع مجدًا شخصيًّا يزول بزواله، أو رغبة دنيوية تفنى بفنائه، إنه يسعى ليعيد مجد "دين الإسلام"، إنه يريد أن يبني أمة، أمة الإسلام، ولابد من صفاء الابتداء، وإحسان البدايات الأولى، فإذا حسن البدء حسن الختام، ومن كانت بدايته متعبة كانت نهايته مشرقة، ولهذا قيل: "الفتور بعد المجاهدة من فساد الابتداء".
لكن قد يستعجل بعض الطامحين للمجد -مجد الإسلام- البناء فيريد أن يشب عن الطوق، وأن يتذبب قبل أن يتحصرم، والزبيب آخر مرحلة من مراحل العنب، عندها ينضج ويكون حلو المذاق سائغًا للآكلين، لكن هناك من يتعجل ويستبق الأمور -والاستعجال آفة خطيرة-، وكان الأجدر به أن يتأنى ويسير وفق البناء المتدرج، حتى ينضج ويكون زبيبًا حلو المذاق وليس حصرمًا حامضًا لاذعًا يشرق به الآكلون، و"من استعجل الشيء قبل أوانه؛ عوقب بحرمانه".