قبل أن تُسودوا
وائل سرحان • التزكية
لابد أن نعي سنة التدرج، وهذا هو هدي قرآننا.. قال -تعالى-: ( كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ) (آل عمران:79) ، وهذا ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنه- في هذه الآية فـ"الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره وكأنه يقتدي بالرب -سبحانه- في تيسير الأمور" (القرطبي، البغوي) ، فعلى هذا يكون (الرباني) مأخوذ من التربية" (تفسير الرازي) ، وهذه هي سنة الحياة وطبيعتها في الوصول إلى المرامي والغايات، فلا ينبغي أن نسير عكس الاتجاه، والصعود إلى أعلى يكون خطوة خطوة ودرجة درجة، فلا يتعجل المرء ويقفز الدرجتين أو الثلاث بخطوة واحدة فربما كان في ذلك هلاكه.
وتحقيق المنى وبلوغ المجد -مجد الإسلام- يكون بعد خطوات من الصبر والتأني، وصدق قول قتادة -رحمه الله-: "من حدث قبل حينه، افتضح في حينه" (الجامع لأخلاق الراوي) .
ولعل هذا معنى آخر يفهم من قول أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه-: "تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا" (رواه البخاري في صحيحه تعليقًا مجزومًا به، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: وأثر عمر أخرجه ابن أبي شيبة وغيره وإسناده صحيح) ، ولعل أيضًا من فقه البخاري -رحمه الله- أن يثبت هذا القول في أول "باب الاغتباط في العلم والحكمة"، فحق لمن تعلم وتفقه قبل أن يسود أن يغبط، أو أن الذي يستحق الغبطة هو صاحب العلم والحكمة لا صاحب السيادة، أو أن السيادة ثمرة من ثمار العلم، فلا سيادة قبل التعلم.
وربما أراد الفاروق أمرًا هو -عندي- بيت القصيد، وهو أن السيادة قبل بلوغ الأوان قد تحرم الإنسان من أهم صفات السيادة، وهي: العلم، والحلم، والتواضع، بل قد تمنعه السيادة قبل أوانها من الفهم والفقه والأدب والتربية والتزكية، فقد تدفعه السيادة إلى الأنفة والكبر عن التعلم فيبقى جاهلاً -جهل قلة العلم وجهل الحماقة والتهور-.
فإن الرئيس (أو المسئول) قد يمنعه الكبر أن يجلس مجلس المتعلمين، ولهذا قال مالك -رحمه الله- عن عيب القضاء: "إن القاضي إذا عزل لا يرجع إلى مجلسه الذي كان يتعلم فيه".
وقال الشافعي -رحمه الله-: "إذا تصدر الحدث فاته علم كثير"، أو قال: "تفقه قبل أن ترأس فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقه"، ومثله ورد عن الثوري -رحمه الله-، وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: "من طلب الرياسة بالعلم قبل أوانه لم يزل في ذل ما بقي" (العزلة للخطابي) .
فالعلم إنما يطلب لله والزلفى لديه لا للرياسة والسيادة، وقد فسر أبو عبيد قول عمر -رضي الله عنه- فقال: "معناه تفقهوا وأنتم صغار، قبل أن تصيروا سادة فتمنعكم الأنفة عن الأخذ عمن هو دونكم فتبقوا جهالاً" (غريب الحديث) ، وإن لم تمنع الأنفة من التفقه منعت كثرة شواغل السيادة، فالذي يتفقه قبل السيادة ينتفع وينفع غيره، لكن الذي يسود أو يسّود قبل التفقه والتأهل، فيضر ويتضرر؛ لذلك كان يزيد بن هارون يقول: "من طلب الرئاسة في غير أوانه حرمه الله في أوانه" (الجامع لأخلاق الراوي) .
فطن لذلك النعمان -رحمه الله- فلقنها تلميذه النجيب أبا يوسف، فلقد رآه فجأة يتصدّر حلقة علمية بعد أن ترك مجلس أستاذه "أبي حنيفة" فأسرع قائلاً له: "تزبّبتَ قبل أن تتحصرم"، فتأدّب أبو يوسف وعاد إلى حلقة أستاذه، ولذلك قال المأمون: "من طلب الرياسة بالعلم صغيرًا فاته علم كثير" (جامع بيان العلم) .
غير أن فهم أبي يوسف وأدبه قد يغيب عن كثير فيرى أنه كيف يجلس في مجلس العلم وهو الأخ المسئول؟ فربما ينقص ذلك من قدره ويضيع من هيبته ويصرف عنه الأتباع، فيقول فلا يسمع له ويأمر فلا يطاع، وبهذا تتوقف عجلة الدعوة ويفسد العمل الجماعي، هكذا يخادع نفسه.
بل قد يتعدى الأمر عدم جلوسه لطلب العلم، ويحاول أن يرسم لنفسه صورة ويضع لنفسه منزلة هي أكبر من حجمه بكثير؛ ظنًّا منه أن ذلك لمصلحة الدعوة ومن مبادئ العمل الجماعي، ولو عوتب يومًا أو نصح أمام أحد لكانت -في ظنه- قاصمة الظهور، وما هكذا يا سعد تورد الإبل.
وكم أفسد كثيرين فهم خاطئ لقصة يوسف -عليه السلام-، وكم غرتهم الألقاب، وخدعوا بقولهم (مسئول)؟! فينتشي ويخدع عن حقيقة أمره، وهو كالطبل الأجوف، ظاهرة صوتية، جعجعة لا طحين لها.
مـا يـقـبـح عندي من ذكر أندلـس أسـماء معـتـمـد فيـها ومعـتـضـد
أسماء مملكة في غير موضعهــا كالهر يبدي انتفاخا صولة الأسد
وهذا التعجل في الترؤس والرغبة في القيادة والسيادة والافتتان ببريق الزعامة والرغبة في الوصول إلى الرئاسة خطر يضعف الإخلاص، ويحرم صاحبه من التوفيق والتسديد وعون الله له، وكان عليه أن يجتهد لـ"يكون أمره لله، وقصده طاعة الله، فإن عمل لطلب الرئاسة لنفسه وطائفته، كان ذلك حمية لا يقبله الله، وكذلك إذا فعل ذلك لطلب السمعة والرياء كان عمله حابطًا" (منهاج السنة بتصرف واختصار) .
فحب الرئاسة داء عضال أهلك الناس قديمًا وحديثًا فـ"هلاك من هلك من الأمم فيما سلف بحب الرياسة، وكذلك من يهلك إلى انقضاء الدهر فبحب الرياسة" (رسالة بين العداوة والحسد للجاحظ) .
"إن حب الرئاسة والحرص عليهما يفسد دين المرء حتى لا يبقى منه إلا ما شاء الله" (شرح حديث: ما ذئبان جائعان) ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، لقد "أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن حرص المرء على المال والشرف إفساد لدينه ليس بأقل من إفساد الذئبين لهذه الغنم، بل إما أن يكون مساويًا وإما أكثر، يشير أنه لا يسلم من دين المسلم مع حرصه على المال والشرف في الدنيا إلا القليل.. فهذا المثل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا".
و"حرص المرء على الشرف أشد إهلاكًا من الحرص على المال؛ فإن طلب شرف الدنيا والرفعة فيها، والرياسة على الناس والعلو في الأرض أضر على العبد من طلب المال، وضرره أعظم والزهد فيه أصعب؛ فإن المال يبذل في طلب الرياسة والشرف" (شرح حديث: ما ذئبان جائعان باختصار) .