قبل أن تُسودوا
وائل سرحان • التزكية
ولا أقصد بحال ترك العمل لدين الله والقعود عن الدعوة إليه وترك فروض الكفايات، فكل ذلك شيء، وتمني وطلب السيادة قبل أوانها أو حتى في أوانها شيء آخر، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ( بَلِّغُوا عَنِّى وَلَوْ آيَةً ) (رواه البخاري) ، وما شأن خالد وسعد -رضي الله عنهما- في العمل جنديًّا عنا ببعيد، ولو تأملنا كتاب ربنا كيف عمل داود عليه السلام جنديًّا قبل أن يكون قائدًا وكيف أتى النصر على يديه وهو جندي لعرفت قصدي وانكشفت لك الحقيقة وعد واقرأ بداية المقال وكتاب الروح لابن القيم،، ولن يكون قائدًا من لم يحسن أن يكون جنديًّا، إنما المقصود أن الداعية المخلص يكره -حقيقة- التصدر والإمارة والرياسة والشهرة والأضواء، ولكنه فارس الميدان إذا تعين عليه التصدر.
إن وجود هؤلاء العجلى في طلب القيادة والسيادة في الصف خاصة في ظرف مثل ظرف أمتنا الحالي خطر على الدعوة يفسد ولا يصلح، إن وجودهم في مضمار البناء والنهوض فسادٌ كبير، "والأمة الإسلامية تواجه تحديات كبيرة في كل ميدان لا يقوى على الصمود أمامها إلا الكبار من أولياء الله"، والزبيب لا يكون زبيبًا قبل أن يكون حصرمًا.
إن "الاستعجال في تقديم الشخصيات القيادية إلى معترك المواجهة مع الواقع، بدون تزويدها بالعلم والتربية والمهارات الضرورية، وبدون صقلها بالخبرات والتجارب المفيدة" اغتيال لهم واغتيال للدعوة فـ"من التهور أن تقدم الدعوة قيادات غير واعية ولا ناضجة ولا متسلحة بالعلم؛ لأن أنصاف المتعلمين والخبراء مشكلة بحد ذاتهم؛ فكيف إذا سلَّمنا لهم مفاتيح القيادة؟!" (باختصار وتصرف مقال د.أنور قاسم البيان 248) ، وليس مَن التف حوله الناس أو تكاثرت حوله الأتباع أو ذاعت شهرته وعلا صيته كان مستحقًّا للصدارة والترؤس، قال المهلب بن أبي صفرة: "إن البلاء كل البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره" (البيان والتبيين) .
وخطورة هذا التصدير قبل الأوان أو بالشهرة والصيت أو الأمر الواقع أو السبق دون الصدق أو غير ذلك أن يكون منهجًا يحتذى نورثه للأجيال وتتابع عليه، وكان الأجدر بنا أن نورثهم تطبيقًا صحيحًا لـمنهج: ( كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ) (آل عمران:79) ، منهج البناء المتدرج، والتفقه قبل السيادة، حتى تفرز الأمة عبر تتابع الأجيال وتواصلها قادة فيهم سمات النصر، فـ"رؤية الكبار شجعانًا هي وحدها التي تخرج الصغار شجعانًا، ولا طريقة غير هذه في تربية شجاعة الأمة" (الرافعي مجلة الرسالة (94) .
وسبحانك اللهم وبحمد، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفر الله العظيم وأتوب إليه.