شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قبل أن تُسودوا

وائل سرحان • التزكية

وقد مرّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بعبد الرحمن بن سمرة وهو يتوضأ فقال له: ( يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لا تَسْأَلْ الإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا ) (رواه البخاري ومسلم) ، وفي رواية: "لا يتمنين"، والنهي عن التمني أبلغ من النهي عن الطلب" (الفتح:13/133) .

وإياك أن يجول بخاطرك أن عبد الرحمن بن سمرة كان جبانًا ضعيفًا أو لا يصلح للقيادة ولا عنده مؤهلاتها.. إنه من صالحي الصحابة الأخيار وشجعانهم، فها هو يقود جيش المسلمين الذي كلف بفتح "كابل" عاصمة الأفغان، وكان حصنها من أمنع الحصون، لكنه التزم وصية النبي الكريم، فتأمل كيف صار أمره، فكما قال شعيب بن حرب:"من رضي بأن يكون ذنبًا أبى الله إلا أن يجعله رأسًا" (الجامع لأخلاق الراوي) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ ) (رواه البخاري) ، فهي محبوبة للنفس في الدنيا، ولكنها: ( بِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ ) بعد الموت؛ حين يصير صاحبها للحساب والعقاب.

وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلا أَتَى اللهَ مَغْلُولاً، يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ فَكَّهُ بِرُّهُ أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ أَوَّلُهَا مَلامَةٌ، وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ وَآخِرُهَا خِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) .

( أَوَّلُهَا مَلامَةٌ ): تتوجه إليه سهام الانتقادات، ( وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ ): إذا نحي عن رئاسته. ( وَآخِرُهَا خِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ): خزيٌ يوم القيامة بما يلقى الله -عز وجل- من عدم القيام بالمسئولية وأداء الأمانة.

فقه هذه المعاني السالفة سلف الأمة فزهدوا في الرياسة وعزفوا عنها، لكن عد وأنعم النظر في قول شعيب بن حرب السابق، فهذا سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي إِبِلِهِ فَجَاءَهُ ابْنُهُ عُمَرُ فَلَمَّا رَآهُ سَعْدٌ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الرَّاكِبِ. فَنَزَلَ فَقَالَ لَهُ أَنَزَلْتَ فِي إِبِلِكَ وَغَنَمِكَ وَتَرَكْتَ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ الْمُلْكَ بَيْنَهُمْ فَضَرَبَ سَعْدٌ فِي صَدْرِهِ فَقَالَ: اسْكُتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ ) (رواه مسلم) ، إنه غني النفس خفي العمل لا يطلب رئاسة ولا مناصب رغم إنه سعد بن أبي وقاص من السابقين الأولين، لكنه فقه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: ( طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ إِنْ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ ) (رواه البخاري) ، ففيه إشارة جلية لكل ذي عينين لـ"ترك حب الرئاسة والشهرة" (الفتح) .

وسيد آخر من سادات المسلمين يفقه ما تعلمه من السادات الأوائل، عمر بن عبد العزيز يبكي عدة مرات على المنبر، ويقول: يا أيها الناس، أنا أخلع نفسي ولا ألزم أحدًا بطاعة، والناس هم الذين يصرون عليه ويقولون: بلى.

فـ"على أهل العلم وطلابه المهتدين بهدي السلف أن يحذروا من شهوة الشهرة وحب الرياسة، فإنه داء فتاك ينبغي المسارعة في علاجه بالتوبة إلى الله -تعالى- وتزكية النفس ومحاسبتها" يقول الثوري رحمه الله: "الرياسة أحب إلى القراء من الذهب الأحمر" (كتاب الورع) ، وكان ترك الرئاسة هي وصية بشر الحافي لما قال له رجل" أوصني قال: الزم بيتك! فترك طلب الرئاسة رئاسة" (محاضرات الأدباء) .

قد يكون تمني الإمارة والسيادة معروفًا في طلاب الدنيا، لكن الغريب أن يتسرب هذا الأمر إلى طلاب الآخرة شعروا به أم لم يشعروا، خسرت الدعوة حينما تكون مغنمًا وجاهًا وشرفًا، إنه –سبحانه- أغير من أن يتم أمره بالتمكين لهذا الدين في الأرض على يد أناس عندهم شوب في الإخلاص، ويحبون الرئاسة والاستعلاء في الأرض.

وإنّ نصر الله -عز وجل- وتأييده لا يتنزل إلا على عباده المخلصين، الأخفياء الأتقياء، الذين تشرأب أعناقهم وتتطلع قلوبهم إلى النعيم المقيم، في مقعد صدق عند مليك مقتدر؛ قال الله -تعالى-: ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُواً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (القصص:83) .

تفقهوا قبل أن تُسودوا؛ فلا سيادة تخدم الدين وتنفع الدعوة ويتسق بها العمل الجماعي إلا بعد التفقه، وكم ضر نفسه ودعوته من تصدر قبل أوانه، وترأس قبل أن يأخذ حظه من العلم والفقه والأدب وحسن الخلق وزكاة النفس أو قبل أن يأخذ حظه من مؤهلات القيادة النافعة.

"وأما من كان غير مستعمل في عمل من أعمال الدعوة، ويريد أن يطلب نوع عمل مهما صغر، أو مستعملا في عمل صغير ويريد أن يستعمل في عمل كبير لا يقاربه، فالباب ضيق أمامه، وخير له أن يتقيد بالأحاديث الواردة في المنع، حتى ولو وجد في نفسه قوة وكفاية، وخير له أن يتأنى في تحديث نفسه بالإمارة، يتأني إلى حين اكتمال فقهه ووعيه، وينفذ وصية عمر -رضي الله عنه-: "تفقهوا قبل أن تُسودوا"، ومِن بعده وصية الشافعي: "إذا تصدر الحدث: فاته علم كثير" (العوائق بتصرف واختصار) ، وليعلم -قبل ذلك كله- سنة نبوية، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّا لا نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ وَلا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ ) (رواه البخاري) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية